آراء ثقافية

الرياضة بوصفِها هُوِيّة قوميّة

نسبة الأطفال الذين لعبوا الحُكشة مرّةً واحدةً على الأقلّ في حياتهم تتناقص من جيلٍ إلى الذي يَليه- ارشيفية
نسبة الأطفال الذين لعبوا الحُكشة مرّةً واحدةً على الأقلّ في حياتهم تتناقص من جيلٍ إلى الذي يَليه- ارشيفية

- كنتُ في طفولتي ألعب الرياضة الوحيدة التي رفَعت اسم مصر.
- ما هي؟
- الحُكشة!

 

أذكر هذا الجزء من حوارٍ بين أحد أساتذتي في المرحلة الإعدادية وبين طُلاّب الفصل سنة 1996. كان هذا إشارةً منه إلى اعتقادٍ شائعٍ في مصر عن تطوُّر الحُكشة – اللعبة المصرية الجَماعية المعتمدة على الكرة والعصا – إلى الهوكي، وفوز فريق الشرقية المصري بالبطولات الأفريقية لرياضة الهوكي سنويًّا بما يفوق أيّ فريقٍ أفريقيٍّ آخر.

 

وفي الحقيقة، فإنه رغم أنّ هذا الحِوار قد دار قبل الصعود العالميّ المصري في رياضة الاسكواش وقبل الفترة الذهبية الأفريقية لمنتخب مصر في كرة القدم (1998- 2010)، فإنه لم يَخلُ من مبالغة، فالرياضات التي تَحقق فيها للمصريين إنجازٌ يُذكَر كثيرة، سواءٌ على الصعيد العربي أو الأفريقي أو العالمي.

 

لكنّ المهمّ أنّ الحِوار قد عَكَسَ ذلك الاعتقاد في الأصل المصري للعبة الهوكي، وهو اعتقادٌ وصلَ إلى بعض التحقيقات الصحفيّة التي تتعرّض لموقع الحُكشة في الرياضات الريفيّة المصريّة المُعاصِرة. ليس ذلك فحسب، بل تخرق تلك التحقيقات أحيانًا تأصيلاً لسانيًّا شعبيًّا Folk Etymology لأصل كلمة Hockey ليصبح كلمة (حُكشَة) وقد نقلَها الإنجليز إلى لغتِهم أثناء احتلالِهم لمصر، ثم اختصروها!

 

 

هذا بينما تُخبرُنا الموسوعة الحرّة بأنّ كتاباتٍ من عام 1853 تَصِف رياضةً تُمارَس في المدارس الإنجليزية تسمّى هوكي، تشبه الرياضة المعاصرة في قوانينها وطريقة لعبها، أي قبل الاحتلال البريطانيّ لمصر سنة 1882.

 

هذا فضلاً عن وجود ممارساتٍ رياضيّةٍ تشبه الهوكي بأسماء مختلفةٍ في الهند وپاكستان وأمريكا الجنوبيّة، فضلاً عن أيرلندا واسكتلندا، لكنّ الوطنيّة المبالِغة أبَت إلا أن تؤصِّل الرياضة الإنجليزية الحديثة في تربة التاريخ المصري، استنادًا إلى رسمٍ فرعونيٍّ لرَجُلَين يلعبان ما يشبه الهوكي.

 


     
لكن هل يمكننا أن نقول إنّ الهوكي/ الحُكشة يمثّل الرياضة القومية لمصر؟ يقول التعريف الشائع للرياضة القومية إنها تلك الرياضة التي تُعتبر جزءًا من ثقافة شَعبٍ ما، وإنها ليست بالضرورة الرياضة الأكثر شعبيّةً، وإنما هي رياضةٌ تستأثر بأهميةٍ تاريخيّةٍ وثقافيّةٍ خاصّةٍ لذلك الشعب.

 

وبينما تُحدِّد شعوبٌ بعينِها رياضاتِها القومية بموجِب قانونٍ مكتوب de jure، تَعتبر شعوبٌ أخرى رياضاتٍ معينةً هي رياضاتها القوميّة بحُكم الأمر الواقع de facto دُونَ تحديدٍ قانوني. 

     
ولعلّه يبدو غريبًا علينا بعض الشيء أن يبلغ مفهومُ الرياضة القومية تلك الأهميةَ التي تستدعي استصدار قانونٍ يؤمّن مكانةَ رياضةٍ ما.

 

لكننا نستطيع أن نفهم ذلك بتأمُّل عِدّة حالاتٍ لهذا التقنين. أولُها الحالة الكورية الجنوبية مع التايكوندو، فالرياضة التي تُعتبَر فنّ القتال الكوريّ الأساسيّ تُمثّل نقطةَ نزاعٍ محتملةً مع الصِّين - الجارة العملاقة – التي قد تدّعي أنها بلدُ المنشأ لهذه الرياضة.

 

كان الأمر من الأهمية بحيث اقترحَ (لي دُنج سُب) على البرلمان الكوري إصدارَ ذلك القانون سنة 2018، استباقًا لأي نزاعٍ محتمَلٍ مع الصين، ودَعمًا لبقاء التايكوندو في الألعاب الأولمپيّة في مواجهة الكاراتيه الذي تَدعمُ حكومة اليابان دخولَه إلى الأولمپياد.

     
أمّا الحالة الثانية فهي مملكة (نيبال) وتقنينُها للكرة الطائرة رياضةً قوميّةً سنة 2017 بحُكم كونِها سهلةَ اللّعِب في كُلّ مكانٍ ومُتاحةً اقتصاديًّا لشعب نيپال. 



وأتى ذلك التقنين بعد إجماعٍ شعبيٍّ غير رسميٍّ دامَ طويلاً على أنّ رياضةً أخرى محلّيّةً هي (داندي بِيُو Dandi Biyo) هي رياضة نيبال القومية.

 

هذه الأخيرة تشبه رياضة الكريكِت، حيث يركل اللاعبون ساقًا خشبيةً صغيرةً (بِيُو) بواسطة أخرى كبيرة (داندي)، لكنها مع التناقُص التدريجيّ في أعداد لاعِبيها أصبحَت على وشك الانقراض، وهذا بعد محاولاتٍ فاشلةٍ من الجهات النيپاليّة المعنيّة بهذه الرياضة لإحيائها وتنظيم ممارستها.


الحالة الثالثة هي شيلي ورياضة الروديو Rodeo التي اعتُبرت الرياضة القومية هناك سنة 1962، وبينما يعرف محبُّو كرة القدم الثنائيَّ الشيلي زامورانو وسالاس بظهورهما مع منتخب بلادهما في كأس العالم 1998، يزعم اتحاد الروديو في شيلي أنّ الحضور الجماهيري للروديو عام 2004 مثَلاً كان أكثف من مثيلِه لمباريات كرة القدَم، لكنّ الاتّحاد يشكو ضعف الدعم الحكومي المالي للروديو لأنه لا يمثل شيلي في الخارج بعكس كرة القدَم. 

 


والمهم هنا أنّ تاريخ الروديو الشيلي يعود إلى ما يعتبرُه الشيليُّون عهدَ الاستعمار الإسباني لبلادهم، حيثُ ظهرت الحاجة إلى مهارة الفُرسان القادرين على التحكُّم في الماشية النّافِرة وجَمعِها في أحد ميادين العاصمة سانتياجو، وكان ذلك تحت حُكم (جارثيا دي مندوسا) الحاكم الإسباني لشيلي في القرن السادس عشر. 

من تأمُّل الحالات الثلاث نرى أنّنا إزاء دفاعٍ عن الشخصية الوطنية لبلدٍ صغيرِ في مساحته وتعداد سكّانه أمام جارَتيه العملاقتين في حالة كوريا الجنوبية، ومحاولةٍ للاندماج في التيّار العَولَميّ بتبنّي رياضةٍ أولمپية منتشرة في أربعة أركان الأرض (الكرة الطائرة)، مع الإعراض عن رياضة محلّيّة لا فرصة لها في البقاء، وذلك في حالة نيپال.

 

وفي حالة شيلي يبدو في الأمر تمسُّكٌ بأهداب التاريخ، فالروديو يمثّل بالنسبة للوعي الجمعي الشيليّ لقاءً قديمًا طويلاً مع الاستعمار، وخروجًا من تحت عباءة الإمپريالية الإسبانية الأوربية، وميلادًا للشخصية المستقلّة لهذا البلد الأمريكي الجنوبي.

 

أي أننا نتأرجح بين الانبطاح أمام العالَم الأقوى في حالة نيبال، والذكرى الرومانسيّة لميلاد شخصية الوطن - والتي لا تخلو من عُنفٍ وقسوةٍ – في حالة شيلي، وتأكيد الذات القويّة المتحققة بالفعل في حالة كوريا الجنوبية. 
     
لكن ماذا عن الحُكشة المصريّة؟!

 

أتصوّر مِن واقع الملاحظة الشخصية ودون الاستعانة باستبياناتٍ دقيقةٍ أنّ نسبة الأطفال الذين لعبوا الحُكشة مرّةً واحدةً على الأقلّ في حياتهم تتناقص من جيلٍ إلى الذي يَليه، على الأقلّ في مُحيط القاهرة، فيبدو لي موقفُها – من حيث هي حُكشة، لا من حيثُ هي هوكي – أقربَ إلى موقفِ (داندي بِيُو) النيبالية.

 

هذا إذا افترضنا من الأساس أنها تمثّل تراثًا رياضيًّا قيّمًا بالفعل لدى المصريين، وهو أمرٌ أميل إلى رفضِه. فهل نجد في الاسكواش مثَلاً بديلاً مُرضِيا؟  
     
يبدو أنّ الاسكواش في مصر رياضةٌ للأغنياء في المقام الأول، فمنذ بداية التفوق المصري في ثلاثينيات القرن الماضي – وهي بداية لا يعلمها كثيرون – وصولاً إلى تربع المصريين على التصنيف العالَمي، والاسكواش لعبةٌ مكلّفة في تجهيزاتها، لا يستطيعُ إليها سبيلاً في الغالب إلا أبناء الأثرياء.


والحقُّ أنني أختلف مع المقال السابق للأستاذ زاهي سهلي في زعمِه أنّ الاسكواش هو الرياضة الشعبية الثانية في مصر، فالشعبيّة تعني متابعةَ الجماهير في المقام الأول، فضلاً عن انتشار اللعبة في أوساط الناس وإقبال أولياء الأمور على إلحاق أبنائهم بها، وهما معياران لا يمكن أن نزعُم توفُّرَهما للاسكواش في مصر، خاصةً أنّ أولياء الأمور أكثرُ إقبالاً الآن على تدريب أبنائهم على رياضاتٍ كالسباحة والجمباز.
    
لكن فوز لاعب كمال الأجسام المصري (رامي السبيعي) Big Ramy حديثًا بلقب مستر أولمبيا يذكّرنا بإقبال قطاع من الشباب المصري – أغلبه من أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة – على الانتظام في تمارين بناء الأجسام في صالات الچيم، وهي شعبية متحققة على أرض الواقع بالفعل، ربما منذ ثمانينيات القرن الماضي مع انتشار نوادي الڤيديو في مصر وازدياد تداوُل أفلام الحركة ذات الأبطال القادِمين من رياضة كمال الأجسام، وبالتأكيد فقد أعطَت إنجازات (الشحات مبروك) واستثمارُه إياها في ظهوراته السينمائية دَفعةً قويةً لهذه الرياضة في مصر.

 

لكن، هل نعتبرُها رياضةً قوميّةً لمصر مع بقاء الكرِش المصري علامةً مميزةً يعرفُ بها المصريُّ مُواطنَه في الغُربة؟!
     
سأتحامل على كرة القدم رغم أهميتها للمصريين لسببٍ واحدٍ، يتعلّق بأنّها أصبحَت أقربَ إلى سِمةٍ عامّة للإنسانيّة، فليست ذكريات المصريين فقط هي المرتبطة بمبارياتٍ تاريخيةٍ معينةٍ أو أسماء لاعِبين محدَّدين، فسنجِدُ مِثلَ ذلك عند معظم شعوب الأرض تقريبا.
     
في رأيي يبرُز التحطيبُ بصِفته المُنافِس الأكثر استيفاءً لشروط الرياضة القومية في مصر، فصحيحٌ أنه آخِذٌ في الانكماش، ولا يمكنه منافسة شعبية كرة القدم ولا انتشار السباحة والجمباز، وصحيحٌ أنه لم يَبقَ منه حَيًّا إلا بعض الاستعراضات في حفلات الزفاف، إلا أنه يمثل مَلمَحًا لا تكاد يَخلو منه فِلمٌ مصريٌّ يتناولُ عالَم الفُتُوّات الذي جعلَه نجيب محفوظ قاعدةً لعددٍ من أعماله السرديّة، وهو حتى في نُسَخِه الاستعراضيّة الآمِنة يمثّل تُراثًا مصريًّا جديرًا بالاهتمام به.
     
قطعًا لن يجتمع البرلمان المصري لاختيار رياضة قومية للبلاد، على الأقلّ في الوقت الراهن، فهناك مِن الأزمات التي تثقل كاهل الإنسان المصري ما هو أجدر بالمناقشة.

 

رغم ذلك أَجد أنّ تأمُّل مسألة الرياضة القومية لا يخلو من قَدحٍ للأذهان وإثارةٍ لأسئلةٍ مهمّةٍ حول الموقِف الرسمي للدولة من تراثِها في مواجَهة العالَم، وخارطة انتشار الرياضات المختلفة بين الشرائح الاقتصاديّة والقطاعات العُمرانيّة المختلفة للسكّان، إلى غير ذلك من أسئلةٍ تنتظرُ دراساتٍ اجتماعيّةً أعمق وأكثر استفاضةً للإجابة عنها.

التعليقات (1)
sandokan
السبت، 09-01-2021 11:11 ص
^^ الهوية الرياضية في باكستان... نحن المنتصرون ^^ في النافذة على باكستان نسلط الضوء على ميزة خاصة بالهوية الباكستانية وهي الاهتمام بالرياضة بنحو كبير فلاعبو باكستان الدوليون حققوا نجاحات مبهرة في لعبة السكواش والهوكي والكريكت. To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser thatsupports HTML5 video نحن الباكستانيون المنتصرون... الأغنية التي يرددونها دوماً نحن الباكستانيون المنتصرون... هي أغنية لا ينفك يرددها الباكستانيون، احتفاءً بالانتصارات الرياضية المتتالية التي حققتها الرياضة الباكستانية. فباكستان ومنذ نشأتها، وبالرغم مما تعانيه من أزمة اقتصادية، تمكن فريقها الوطني من البقاء على عرش لعبة الهوكي على العشب، حاصدة أربعة كؤوس عالمية، وثلاثة أولمبية. وفازت كذلك في البطولات العالمية للسكواش، حيث أحرز لاعبوها الدوليون أكثر من خمسين بطولة عالمية حتى عام 1998. أما الكريكت اللعبة الشعبية والأكثر شيوعاً، فحصل فيها الفريق الباكستاني على بطولتين عالمتين، جاعلاً ذلك باكستان أحد أعضاء اللجنة الدولية للكريكت، فهم يملكون الأسرار الخاصة بهذه اللعبة. ورغم عدم تمكن باكستان من استضافة المباريات الدولية، بعد عام 2009، حيث شهدت مدينة لاهور استهداف الفريق السيريلانكي من قبل مسلحين، إلا أن ذلك لم يمنع باكستان من حصد بطولة العالم في الكريكت في العام نفسه، مؤكدة قوة لاعبيها المتميزة في رمي كرة الكريكت. سرفراز نواز لاعب متقاعد من منتخب الكريكت الوطني، والمدرب الحالي للفريق الوطني، والمؤسس الدولي لطرق رمي الكرة في لعبة الكريكت، تحدث عن اللعبة وأهميتها للشعب الباكستاني، وكيفية ما وصلت إليه باكستان، وما يملكونه من أسرار في هذه اللعبة. كرة القدم التي تعد باكستان الدولة الأولى المصدرة والمصنعة لكراتها، لا وجود فعلياً لها، إلا أن مبادرات شبابية بدأت حديثاً... فالباكستانيون يرون أنفسهم، ذوي قدرات فذة وفريدة، في مجال الرياضة، ولا سيما في الدولية منها. لطالما أحتلت أسماء باكستانية كشاهد أفريدي، وعمران خان، وسرفراز نواز، صدارة ألعاب دولية، مشكلين طابعاً خاصاً بالهوية الرياضية الباكستانية. ( الميادين tv) .