قضايا وآراء

رابعة وعصام العريان

أسامة جاويش
1300x600
1300x600

قبل ساعات من حلول الذكرى السابعة لأبشع مذبحة في التاريخ المصري القديم والحديث، يأبى النظام العسكري في مصر إلا أن يؤكد مرة أخرى على رسائله الدموية بإعلان خبر وفاة القيادي في جماعة الإخوان المسلمين ونائب رئيس حزب الحرية والعدالة، الدكتور عصام العريان، في محبسه بسجن العقرب سيئ السمعة، بعد سبع سنوات من الاعتقال والإهمال الطبي الجسيم، ومنعه من تلقي العلاج اللازم بعد إصابته بالالتهاب الكبدي الوبائي- فيروس سي.


رسالة النظام مفادها "أنا ومن ورائي الطوفان"، فلا مكان للمعارضة أو لأي شهود على المذبحة، سأقتلكم جميعا وسأتخلص من رموزكم وقياداتكم ومشروعاتكم واحدا تلو الآخر، حتى لا يظل لكم متنفس أو مكان أو فرصة تعارضوا من خلالها.

قتل العريان (وهو من الأصوات التوافقية) بهذه الطريقة المتعمدة قبل يوم واحد من ذكرى مذبحة رابعة العدوية؛ هو تأكيد على أن المعادلة مع هذا النظام هي معادلة صفرية تستوجب شحذ جميع الوسائل السلمية المتاحة داخليا وخارجيا، لإسقاطه وإنقاذ ما تبقى من مصر ومواردها.

وقود الثورات هم أمثال عصام العريان الذي كان بإمكانه العيش معززا مكرما لو أنه وقع على ورقة اعتراف بالسيسي، ولكنه رفض. بمثل هذا الرفض وهذه المواقف الثابتة من العريان ومن سبقوه ومن سيلحقون به تنتصر الثورات على الطغيان.

عصام العريان الرجل التوافقي صديق كل الأحزاب السياسي وأحد مؤسسي حركة كفاية ضد نظام المخلوع الراحل مبارك، ترك وراءه تركة أخلاقية ثقيلة لأولئك الذين وقفوا معه على سلم نقابة الصحفيين ضد مبارك، ولأولئك الذين كان معهم كتفا بكتف في قلب ميدان التحرير وبات عليهم اليوم أن يعلنوها صريحة: فهل ينتصرون لمبادئ النضال التي راح رفيقهم عصام العريان ضحية لها، أم يصمتون ويتواطأون مع نظام لن يترك أحدا منهم دون تنكيل؟

التقيت مع صحفية ألمانية بعد وفاة عصام العريان بساعات قليلة، كانت تسألني عن رابعة العدوية وذكراها السابعة وهل كنت ممن حضروا المذبحة أم لا. قصصت عليها ما عايشته في هذا اليوم المؤلم، وما رأيته من صمود مذهل أمام رصاص كان يأتي من كل حدب وصوب. أخبرتها عن أبرياء قتلوهم داخل ممرات الخروج الآمن التي تحولت لمقتلة جماعية، أطلعتها على شهادات الناجين من المذبحة وتفاصيل ويلات الساعات العشر التي عايشوها داخل رابعة وما حولها.

بكت الصحفية الألمانية وأنا أخبرها عن عصام العريان الذي قتله النظام المصري في ذكرى رابعة العدوية. سألتها لماذا تبكي، فأخبرتني: كيف يمكنكم العيش بهذا القدر من الألم؟ كيف يمكنكم تحمل هذا القدر من فقد الأحباء والأصدقاء؟ أخبرتها بأنه الثمن الذي ندفعه نتاج التمسك بمبادئنا. سألتني عن المبادئ، أخبرتها باختصار هي تلك التي آمنا بها في ثورة يناير وما بعدها.

تمسكنا بالثورة فحاربونا، رفضنا الانقلاب فقتلونا، اعتصمنا في رابعة العدوية فأحرقونا، قاومنا القتل والسجن والتنكيل فأخرجونا من ديارنا، وتركنا أموالنا وأوطاننا في مثل هذا اليوم، ولكنهم لم يُخرجوا منا حب الوطن والتضحية من أجل تلك الدماء الزكية التي سالت في مثل هذا اليوم. لم ينزعوا عنا الأمل في العودة إلى الوطن وعودة الوطن إلى ما يستحقه من حرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية.

نعم نفقد في كل عام أحبة وأصدقاء قضوا نحبهم على الدرب، صامدين ورافضين الاعتراف بهذا الانقلاب العسكري الدموي. قد يبدو المشهد بائسا محبطا، ولكني لا زلت أرى نورا في نهاية النفق المظلم. هناك من تحركوا منذ اللحظة الأولى بعد مذبحة رابعة وما زالوا، وهناك من تعاونوا لإنجاح مشروعات صغيرة أصبحت كبيرة بفضل الله أولا، ثم بفضل جهود المخلصين ممن لا زالت رابعة ويناير حاضرتين في نفوسهم، على الرغم مما يلاقوه من حملات تشويه مستمرة مدفوعة من أجهزة استخبارات السيسي وأموال السعودية والإمارات لإفشال هذه المشروعات المقاومة للظلم والمدافعة عن حريات وكرامة الشعوب.

في ذكرى رابعة ومع وفاة عصام العريان، باتت الحاجة لكل جهد معارض للسيسي ونظامه في الداخل والخارج مسألة حياة أو موت، فاستمرار رفض هذا الانقلاب وفضح ما يقوم به هو بقاء للثورة وصمام أمان للحفاظ على الوطن، وشعلة أمل للمعتقلين ووفاء لمن قضوا نحبهم.. الرسالة أن هناك من يتمسك بالعهد ويعمل من أجل الثورة، ولن يبدل أو يتغير أبدا.

twitter.com/osgaweesh

التعليقات (1)
هيثم محمد حسان
الأربعاء، 23-09-2020 06:53 ص
الله يرضى عليك وعلى والديك انسان حر