كتب

تساؤلات الليبراليين حول مستقبل النظام الدولي.. قراءة في كتاب

كتاب يناقش مدى صلابة النظام الدولي الجديد واحتمالات تطوره أو انهياره  (عربي21)
كتاب يناقش مدى صلابة النظام الدولي الجديد واحتمالات تطوره أو انهياره (عربي21)

الكتاب: إعادة النظر في النظام الدولي الجديد
المؤلف: يورغ سورنسن
المترجم: أسامة الغزولي
الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/ الكويت ـ 2020

مع انتهاء الحرب الباردة انتهى النظام الدولي ثنائي القطب الذي ساد لعقود، لندخل في نظام دولي آخر، ربما، حتى اليوم لم تتحدد طبيعته ومستقبله بشكل واضح. ورغم الشعور الغامر، الذي ساد لفترة طويلة بعد انهيار منظومة الدول الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، بما اعتبر انتصارا لليبرالية السياسية والاقتصادية، فإن رؤية أخرى لتطورات الأحداث قرأت الواقع بتشكك أكبر وتوقعت انفجارا للعداء بين الأصدقاء القدامى بعد غياب العدو المشترك. 

يناقش كتاب يورغن سورنسن "إعادة النظر في النظام الدولي الجديد" تساؤلات واقتراحات كل من المتفائلين والمتشائمين حول مدى صلابة هذا النظام واحتمالات تطوره أو انهياره. ويحدد شروطا ثلاثة قد تكون هي ما يحكم مستقبله؛ أولا هشاشة الدول، متخلفة أو متقدمة، وثانيا انحسار خطر الحرب بين الدول مع بقاء احتمالات التصدع الداخلية بسبب قضايا الإرهاب والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي، وثالثا بنية القوة للدول التي لا تقتصر على الجانب المادي ويجب أن تشمل قوة اجتماعية تحفظ استقرارها.

ابتداء يلفت سورنسن إلى أن تحديد مفهوم "النظام الدولي"يجب ألا ينحصر في العلاقات بين الدول ذات السيادة فقط. فالنظام داخل الدول، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية في الداخل يمتد أثرها إلى المشهد الدولي. إنه "ترتيب للحكم داخل الدول وفيما بينها، بمشاركة من لاعبين آخرين". وحتى يكتمل الحديث عن طبيعة وسمات النظام الدولي لا بد من معالجة "البعدين" الداخلي والخارجي معا. 

 

يناقش كتاب يورغن سورنسن "إعادة النظر في النظام الدولي الجديد" تساؤلات واقتراحات كل من المتفائلين والمتشائمين حول مدى صلابة هذا النظام واحتمالات تطوره أو انهياره. ويحدد شروطا ثلاثة قد تكون هي ما يحكم مستقبله؛

 



وفي الفصل الأول من كتابه المعنون بـ "هشاشة الدول" يجادل سورنسون بأن العالم الذي نعيش فيه حاليا تعاني فيه جميع الدول من هشاشة متزايدة. ورغم أن مصطلح "الدولة الهشة" ارتبط بالدول الضعيفة في المناطق الجنوبية من الكرة الأرضية، حيث الاقتصاد المتهالك والنظام السياسي الفاسد والغياب الواضح للتماسك الوطني، إلا أن العديد من الدول "على طريق التحديث" مثل البرازيل والهند والصين، والعديد من الدول المتقدمة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية تشهد هي الأخرى "هشاشة متفاقمة"، إذ لديها كلها مشكلات تتصل بـ "التماسك الاجتماعي ـ السياسي" ما يعيق هدفا أساسيا من أهداف الليبرالية وهو تأمين العيش الكريم لكل الناس. 

يقول سورنسون: "إن دولة مثل الصين تواجه حاليا مشكلات جديدة لها علاقة بفقدان نموذج التراكم القائم على تنامي الصادرات لقوته الدافعة، والتدهور البيئي، والنظام الاستبدادي الذي يصر على التمسك بسيطرته الاجتماعية. ومن جهة أخرى فإن الدول المتقدمة التي عرفت ثلاثة عقود من العولمة النيوليبرالية تعيش جمودا سياسيا أضعف الروابط بين المواطنين والدولة ومهد لتراجع كبير في التماسك الاجتماعي"، بينما يتراجع وضع الطبقات الوسطى فيها، في الوقت الذي لا توجد فيه أية مؤشرات على ظهور نموذج بديل للتنمية. وبغض النظر عن أن دول جنوب الكوكب"الهشة" تشهد بعض التقدم والنمو إلأ أنها لا تزال تعاني من أنظمة سياسية "معيبة"، وانقسامات اجتماعية ـ سياسية عميقة، وارتهان للخارج، وصراعات داخلية، عنيفة في أحيان كثيرة. كل ما سبق يؤدي بالنتيجة إلى أن تعطي كل هذه الدول الأولوية القصوى للمشكلات الداخلية، وتركز أكثر على مصالحها الخاصة، بعيدا عن انشغالها بلعب دور إيجابي في بناء نظام دولي "جيد الأداء".

انتهاء الحروب وأهمية القوة

وفي الحديث عن الشرط الثاني المؤطر للنظام الدولي الحالي يؤكد سورنسون أن خطر نشوب حروب بين الدول ذات السيادة قد تراجع كثيرا، ويرى أن الليبراليين المتفائلين محقين في القول أن هناك "سلام ديمقراطي" بين الديمقراطيات الراسخة، رغم إصرار الواقعيين على أن السلم مؤقت بالضرورة وأن الحرب هي إمكانية واردة دوما، مع عدم وجود "سلطة مركزية تعلو على الدولة"، فتاريخ السياسات الدولية هو تارخ الحروب. لكنه مع ذلك يحذر من المبالغة في التفاؤل فكما أنه "لا توجد قوانين تاريخية تحتم حدوث الحرب بين الدول، فلا وجود لقوانين تضمن استدامة السلام.. وقد تجد الدول الهشة في الجنوب العالمي الحماية في أعراف احترام حق تقرير المصير والاستقلال، لكنها مبتلاة بصراعات داخلية عنيفة وخطيرة. ويلوح خطر الصراع أيضا في الجوار القريب للقوتين الكبريين غير الديمقراطيتين، روسيا والصين. كما يتعين على الدول أن تواجه مخاطر جديدة مثل الإرهاب، والأزمة الاقتصادية، والمشكلات البيئية. لكن يبقى أن الإجماع على لا جدوى الحرب بين الدول خصوصا بين القوى الكبرى هو تطور هائل. لن يشهد العالم مجددا مآسي مثل موقعتي السوم وفردان، أو معركة ستالينغراد..".

أما في نقاش الشرط الإطاري الثالث "بنية القوة في النظام الراهن" فيشير سورنسون إلى أن "أهمية هذه المسألة تنبع من أن استقرار النظام الدولي وفاعليته يحتاجان إلى إسناد من العوامل الاقتصادية والعسكرية وغيرها من أشكال القوة". ويقول أن الولايات المتحدة الأمريكية وفيما يتعلق بالقوة المادية لاتزال الدولة الأقوى في النظام الحالي، لكنها من جهة أخرى تواجه مشكلات كبيرة على مستوى تخليق وإدامة نظام مشروع ومتفق عليه، "ينظر إليه باعتباره نافعا للكافة بأكثر مما هو أداة لسيطرة دولة قائدة". 

 

قد تجد الدول الهشة في الجنوب العالمي الحماية في أعراف احترام حق تقرير المصير والاستقلال، لكنها مبتلاة بصراعات داخلية عنيفة وخطيرة. ويلوح خطر الصراع أيضا في الجوار القريب للقوتين الكبريين غير الديمقراطيتين، روسيا والصين.

 



ويوضح سورنسون أن أي مشروع من قبل الولايات المتحدة الأمريكية أو دول أوروبا الغربية لبناء نظام دولي يواجه بتحديات كثيرة وكبيرة من "القوى الناشئة" ومن المناطق المثقلة بالصراعات والكوارث كدول منطقة الشرق الأوسط والدول الهشة، كما أنه قد يخضع "لقيود" داخلية مرتبطة ب"تراجع التماسك الاجتماعي" في الديمقراطيات الليبرالية و"الاستقطاب والانسداد السياسيين"، لا تنسجم مع "مشروعات هيمنة تقتضي قدرا من الترفع عن السعي وراء المصالح الوطنية الضيقة، لتحقيق هدف أكبر هو النظام المستقر والفعال". 

ويتساءل سورنسن في ما إذا أتيحت للولايات المتحدة / غرب أوروبا فرصة الانخراط في مشروع للهيمنة عبر نظام دولي مستقر، هل ستكونان مستعدتين لذلك، وهل لديهما تصورات متماسكة حول كيفية المضي في هذا المشروع؟ على أي حال، يلفت سورنسن هنا إلى أن هامش القوة المادية وغير المادية التي تتمتع بها الولايات المتحدة يضيق اليوم عما كان عليه من قبل بدرجة لا يستهان بها. ويوضح أن  القوة تتصل أيضا بمدى القدرة على استخدامها مع "اللاعبين الآخرين"، وكما يبدو فإن الولايات المتحدة الآن "أقل قدرة على أن تملي إرادتها مقارنة بما كان في الماضي".

العولمة الاقتصادية والحوكمة الدولية

في موقع آخر من الكتاب يتحدث سورنسن عن تأثيرات العولمة الاقتصادية في النظام الدولي، وكيف يجد الليبراليون فيها وسيلة لتعزيز التعاون والسلام بين الدول، فهي كما يرون "تدفع بعملية تلاق عام مازالت تواصل التقدم"، لكنهم في الوقت نفسه يغضون النظر عن السلبيات الكثيرة التي تنتج عن زيادة الاعتماد المتبادل والتي تدفع باتجاه معاكس. ويقول: "القيادتان الروسية والصينية تدركان جيدا أن الاندماج في الاقتصاد العالمي سلاح ذو حدين. فقد يساعد أيضا على إفراز معارضة ومقاومة داخليتين تضعفان سيطرتهما على السلطة. وقد لا تقتصر تلك المعارضة على الناس في الشارع فقط، ولكنها قد تأتي أيضا من النخب التجارية التي يتزايد اندماجها مع الغرب، ومن ثم يتناقص استعدادها للقبول بسيطرة النظام الأوتوقراطي عليها. ولمواجهة ذلك قد يسعى النظام، وعلى نحو ينطوي على تناقض، إلى مزج الاندماج بالعزلة". 

في السياق ذاته ينظر الليبراليون إلى زيادة اللجوء للحوكمة الدولية باعتباره مؤشر آخر على التمسك بالقيم الليبرالية، وملمح أساسي للنظام الدولي الحالي. فقد"عولجت الآثار الفورية للأزمة المالية،..عبر إدارة للأزمة اتسمت بقدر معقول من الفعالية.. وقوبلت التحديات الأمنية المركبة التي سببتها الدول الهشة باستجابة تمثلت في نظام طموح لمسؤولية الحماية.. وتصاعد اندماج القوى الناشئة في البنية المؤسسية". لكن ذلك لا يقنع المتشككين الذين يرون الحوكمة الدولية نشاط "متشظٍ" و"غير متناسق" و"قصير الأمد"، لا يتعدى دوره إدارة الأزمات. فليس هناك حلول جذرية تستهدف إعادة ترتيب النظام المالي، ولا يبدو أن الأزمات والتعقيدات الخطيرة التي تشهدها الدول الهشة في طريقها إلى الحل. إنها إذن "حوكمة جزئية". والذي يجعل الحوكمة الأكثر عمقا بعيدة المنال هو أننا "نفتقر إلى لحظة تأسيسية تنتقل باللاعبين المهمين باتجاه تكيف غير تقليدي.. فالاخطار والتحديات لم تكن وشيكة أو خطيرة بما يكفي بالنسبة للاعبيين الرئيسيين بحيث تمثل لهم لحظة تأسيسية".

المبالغة في التفاؤل والتشاؤم

في المجمل يرى المتشككون أو الواقعيون أن تاريخنا سبق له أن مر بفترات اعتماد متبادل وتعاون انتهى إلى حالة من التنافس والصراع في عالم فوضوي مؤلف من دول مستقلة،" ونحن نمضي إلى الوجهة ذاتها في الوقت الحالي". فالقوى الناشئة، مثل روسيا والصين، تسعى لزيادة نفوذها في أقاليمها. ولا يبدو أن هناك مواجهة فعالة لمشاكل الدول الهشة، مثل سوريا، أو جنوب السودان "لاتصالها بمصالح وطنية مختلفة". وقد تؤدي المشكلات المتعلقة بتحولات المناخ إلى أوضاع كارثية لأن الدول المعنية غير قادرة على الوصول لاتفاق وإصلاحات ضرورية، وسوف "تقترن المشكلات المتصلة بالدول الهشة بصراعات أشد سوءا مرتبطة بتحولات المناخ، وربما بحروب مناخية". 

يقول سورسن: إنه يتعين على أصحاب هذا الموقف أن يتخلوا عن فكرة أن التاريخ يتكون من أحداث سيئة يتكرر وقوعها باستمرار، أو أن التقدم لا يحدث، وأن المنافسات الأمنية والصراع أو الحروب بالضرورة هي أمور حتمية. الأجدى من ذلك هو أن يركزوا على الظروف والأحوال الداخلية للدول لا الظروف الدولية فقط وكيف يتفاعل كل منهما مع الآخر لتحديد نوع النظام الدولي الذي يقوم في أي فترة من فترات التاريخ. كما أن على أصحاب النظرة الليبرالية المتفائلة التخلي عن فكرة أن التقدم لا يعوقه عائق، ويقروا أن النموذج الليبرالي السياسي والاقتصادي"ليس صيغة ثابتة، بل هو مجموعة من المبادىء التي تتطور وتتحول مع الوقت" ما يعني أن قدرته على مواجهة التحديات قد تختلف باختلاف الأزمان والأماكن. 

التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم