أخبار ثقافية

مبالغات "لا كاسا دي بابيل".. الدجاجة التي تبيض ذهبا

لا كاسا دي بابل بيت الورق البروفيسور
لا كاسا دي بابل بيت الورق البروفيسور

عُرِض مؤخرا الجزء الرابع من مسلسل "بيت الورق"، الذي عُرِف في العالم العربي باسمه الإسباني "لا كاسا دي بابيل".

 

انتظره الملايين عبر أنحاء العالم، فقد اعتُبِر المسلسل الأجنبي الأكثر مشاهدة على "نتفليكس"، وأحد أشهر مسلسلاتها على الإطلاق. ربما تكمن المشكلة هنا بالتحديد. "نتفليكس" في النهاية مؤسسة تجارية، تستهدف الربح. 


فرغم أنها باتت إحدى أهم جهات صناعة الأفلام والمسلسلات في العالم، بطموح فني راق واحترافي، ورغم أننا نستطيع القول إن المحتوى الذي قدّمته عبر السنوات الماضية بات حاكما في تصور صُناع المحتوى السينمائي والتلفزيوني عما يقدمونه، لأن معايير النجاح التي حقّقتها فرضت واقعا جديدا... رغم كل ذلك، ظلت المشكلة في مسألة الربح.


من منا يستطيع التخلي عن دجاجته الذهبية؟ هكذا "نتفليكس"، لا تريد التوقف عن إنتاج أحد أقوى مسلسلاتها. ومع الاعتراف لفرق عمل المسلسل بالمهارة والاحتراف، بدا الجزء الرابع مخيبا للآمال على نحو واضح.

 

يمكننا استقراء ذلك من منصات مناقشة الأفلام والمسلسلات على اليوتيوب، كما نجد ذلك واضحا في أشهر مواقع التقييم الأجنبية، التي تمنح الأجزاء المختلفة تقييمات مستقلة. نجد الجزء الرابع أقلها تقييما، وبفارق واضح.

 

استعراض سريع


في الموسم الأول، أعدّ البروفيسور عصابته: ثمانية من المجرمين المحترفين. أقاموا في مكان ناء لمدة خمسة أشهر استعدادا للسطو على دار سك العملة في العاصمة مدريد. اختار كل فرد اسم مدينة للتمويه. بقي البروفيسور خارج دار السك، ونجحت العصابة في الاقتحام محتجزين 67 رهينة، الذين اضطر بعضهم للمساعدة في عملية طباعة الأوراق المالية.


تقود المحققة راكيل عملية التفاوض مع البروفيسور. وخلال نقلات محكمة تحاول زرع كاميرا خفية في نظارة مساعدها أنخيل، لكن البروفيسور المستعد يقلب السحر على الساحر ويدس كاميرا خفية في نظارة أنخيل.


وتتوتر علاقات الحب، فمونيكا الموظفة بالدار تنضم إلى العصابة بعد أن وقعت في حب دنفر، بعد أن حاولت إخفاء هاتف، فأمر برلين بإعدامها، لكن دنفر ضعف عن ذلك، بينما تتوتر العلاقة بين راكيل ومساعدها أنخيل بعد حبه لها من طرف واحد.


في الجزء الثاني تتوصل راكيل إلى البروفيسور وتقبض عليه، لكنها تكون قد وقعت في غرامه، فلا تجرؤ على إطلاق النار عليه أثناء فراره، ويؤدي ذلك إلى فقدانها وظيفتها في الشرطة. في هذا الجزء كثير من التوتر، حيث يسلم برلين زميلته طوكيو إلى الشرطة، لكن البروفيسور يحررها، ويتمرد أفراد العصابة على برلين وينقطع التواصل مع البروفيسور مدة طويلة.


في النهاية يفر المجرمون عبر نفق أعدوه مسبقا، حاملين ما استطاعوا طبعه: مليار يورو، وذلك بعد اقتحام الشرطة للمبنى. يُقتل برلين وهو يواجه الشرطة في النفق منقذا زملاءه. وتنضم راكيل للبروفيسور في جزيرة نائية، تتويجا لحبهما.


في الجزء الثالث تسعى العصابة إلى السطو على الذهب الموجود في خزانة البنك المركزي الإسباني، بعد أن اعتقلت الشرطة زميلهم ريو وعذّبتْه، فالتأم شمل العصابة في العملية الجديدة.


التوقعات التي فرضتها نهاية الجزء الثالث كانت مرتفعة. قاربت الأحداث حدود توتر قصوى؛ فلشبونة (راكيل بعد انضمامها للعصابة) اعتُقِلت، وزُيِّف مقتلها، فأطلق البروفيسور المحاصر إشارة الحرب.

 

وبخدعة دنيئة أوقعت المحققة إليسيا بنيروبي التي أطلت من الشباك فأصيبت بطلق ناري في صدرها، سقطت غارقة في الدماء. كما بدأت قوات الشرطة هجوما لاقتحام البنك فتصدّت لها عصابة القناع بصاروخ، عَمَلا بأوامر البروفيسور المنهار.


كان لدى المشاهدين فضول كبير لمعرفة كيف سيخرج البروفيسور وفريقه من ذلك الانهيار العنيف. ما هو مصير نيروبي والذهب الذي كانوا يصهرونه في البنك تمهيدا لنقله؟ 

 

الكثير من المبالغات


مع رفع سقف التوتر وتعقيد المواقف، لجأ صنّاع المسلسل، في تقديري، إلى كثير من المبالغات غير المنطقية، بالإضافة إلى تكرار بعض تيمات العمل؛ فدائما ما يرتفع التوتر بانشقاق داخلي بين أعضاء العصابة، بما يشمل العلاقات العاطفية المذبذبة التي تنشأ وتهتز خلال الأحداث. ودائما يواجه البروفيسور محققة ذكية لكنها تواجه أزمات عاطفية (راكيل أولا وإليسيا ثانيا).


لإنقاذ لشبونة لجأ السيناريو إلى حيلة ذكية، من الحيل الكثيرة المدهشة التي لا تكاد تنفد من جعبته. هاجم البروفيسور ومعاونه مارسيليا منزل أحد رجال الشرطة الذين يحرسون لشبونة بمركز العمليات المجاور للبنك. بعد تهديده تعاون الشرطي ونفّذ المطلوب: دخل على لشبونة بساعة في يده، أعطاها له البروفيسور لتكون إشارة لها، بأنه قادم لإنقاذها. كان التوقيت حاسما، بعد أن مارست أليسيا ضغوطا هائلة مع لشبونة أثناء التحقيق حتى كادت تعترف بكل شيء وتدمر موقف عصابتها.


في رأيي، ذلك نموذج لذكاء السيناريو؛ يوظف الحوار المحسوب بدقة، يكشف انفعالات الشخصيات، رافعا سقف التوتر. يعينه في ذلك إخراج ممتاز في الدوران بالكاميرا لاستنطاق ملامح الشخصيات التلاعب بالإضاءة حتى يكاد يضعنا في مكان الشخصية، مع موسيقى تصويرية معبرة تماما عن الموقف. هذه الحبكات الصغيرة الذكية هي ما يحببني في المسلسل.


ربما لا أحتاج إلى التأكيد على نجاح صناع المسلسل في هذه الناحية: تشبيك الأحداث بحيث لا تتخذ مسارات واضحة، بل تتعقد ككرة الخيط، مع كثير من التحولات المفاجئة التي تدفع بالأحداث في كفة أحد الفريقين المتصارعين، وبتحول مفاجئ تنقلب الكفة للناحية الأخرى.


مما برعوا في صياغته على ذلك النحو شخصية غانديا. وهنا لا بد من الإشارة إلى تقنية الفلاش باك، التي اعتمد عليها المسلسل منذ بدايته، لربط الأحداث وتفسير ما نراه الآن على نحو مقنع. فمع عودة الزمن إلى تاريخ غانديا الحارس الشخصي لمحافظ البنك المركزي، وأحد العارفين بأسرار المبنى، نقتنع بما سيفعله: يفلت من قيوده ويطارد عصابة القناع ويقتل نيروبي.


ولأن أحداث المسلسل شديدة التعقيد فلا بد أن يقودنا ذلك إلى جوانب أخرى، فنيروبي تذكرنا بإحدى أكبر أزمات المسلسل: المبالغات غير المقنعة. أجرت طوكيو عملية جراحية لاستخراج الرصاصة من رئة نيروبي، متلقّية الأوامر من جراح متمكن عبر شاشة متصلة ببث سري.

 

تتوالى المبالغات: تنجح طوكيو في الجراحة رغم انقطاع البث عنها أثناء العملية، ثم تنهض نيروبي من عمليتها بلا فترة نقاهة ولا مضاعفات طبية.


لا تتوقف المبالغات الغريبة، حتى يصل الأمر إلى خوض غانديا غمار مواجهات ملأى بالرصاص الطائش فينجو منها جميعا. نعلم أن المسلسل اتسم بهذه المبالغة منذ البداية كما في مشهد عودة طوكيو إلى دار السك سابقا، على دراجة نارية، في خضم عشرات الأسلحة المُصوَّبة نحوها، دون أن تصيبها شظية.


ومع أن غانديا يُظهر اللارحمة ويحاول شنق هلسنكي، فإنه لا يقتل طوكيو بعد أسرها، وقبلها يكتفي بمحاولة خنق نيروبي، مع أن قتلها بالسلاح كان ممكنا تماما. منذ كان أسيرا يخاف غانديا من كسر إصبعه لينجو من قيده، بينما يخوض أمواج الرصاص المصبوب بشجاعة غير متسقة مع خوفه على إصبعه.


يمتد خيط التناقضات الغريبة إلى باليرمو الذي قيّدته العصابة مثلما قيّدت برلين من قبل، في تكرارات لم تكن موفقة دائما، ومثلما سلّم برلين زميلته طوكيو إلى الشرطة حرّر باليرمو عدوهم غانديا. ويتعمّق التناقض بوجود مانيلا التي هي فرد في العصابة مهمتها مراقبة الرهائن، دون أن تفضح ما فعله باليرمو الذي لم يبد أنه التفت لوجود مانيلا أيضا.

 

ثمة مبالغة أخرى غير مفهومة. كيف سافر مارسيليا إلى الجزائر ليجبر معذّبي ريو من البربر على الاعتراف بكل شيء مصوَّرا، والعودة إلى إسبانيا خلال فترة قياسية؟ ولماذا الإصرار على إعادة لشبونة إلى مقر البنك بمروحية تمخر سماء مدريد على مرأى السلطات الإسبانية؟ وكيف يمكن أن نقتنع بالحوارات الزاعقة بين دنفر وريو بينما العدو غانديا حر طليق يتعقب زملاءهم؟


كما لم يكن مقنعا، برأيي، الإصرار على إقحام أرتورو في هذا الجزء، ربما في الأجزاء السابقة أيضا. لم يضف إلا بعض الزعيق غير المبرر، لحشو الحلقات بمزيد من الدقائق فيما يبدو. ولم أفهم لماذا لم يقم أحد من أفراد العصابة بتكميمه أو تقييده تماما، فليس منطقيا أن يظل مصدر إزعاج فقط ليثير غيرة دنفر على حبيبته مونيكا مثلا، لبث بعض الانفعالات العنيفة والمجانية في آن معا.

 

ربما لا يصح أن نحاول وضع المسلسل في إطار غير الذي اختاره صنّاعه واعتاده جمهوره. فالمبالغة كانت من سماته منذ البداية، لكننا ظللنا نندهش من قدرة صناعه على نسج الكثير من التفاصيل المعقدة، التي تخلق تشابكات الأحداث بقدرة تامة على إقناعنا، وهو ما تحقق في الجزء الرابع أحيانا، مثلما تحقق في صراع لشبونة - إليسيا، ومثلما تحقق في طرح شخصية غانديا مع العودة إلى ماضيها.. ربما كانت المبالغات سلاحا أخيرا لفك تشابك الأحداث، لكنها في الجزء الرابع كثرت حتى طغت على صراعات المسلسل وعلاقاته.
مع ذلك لا بد من التوقف عند سؤال مهم: لماذا أحب المشاهدون المسلسل حتى أصبح البروفيسور أيقونة وصار قناع دالي وزي العصابة رمزا ثوريا؟

 

جودة الحوار


تبدو لذلك أسباب عديدة، ربما يكون أهمها جودة الحوار، تحديدا في المقطع الذي قبضت فيه راكيل على البروفيسور. تنشأ المواجه عن إحساس راكيل بحتمية تسليم حبيبها إلى الشرطة لأنه مجرم، مهما أحبته، بينما يحشد البروفيسور كل ما لديه من ذكاء وفطنة لإقناعها بمشروعية ما يفعله، ولماذا يمكنها ألا تعتبره مجرما بضمير مرتاح. 


برأيي أنّ حوارهما جاء ممتعا ومقنعا حقا. شرح البروفيسور كيف أن الأنظمة المالية العالمية هي أنظمة سارقة بطبيعتها، وكيف تؤدي الرأسمالية الحديثة إلى تركز الثروة في أيدي قلة من الأثرياء، ليجوع مليارات الفقراء حول العالم، مؤكدا أنهم لم يقتطعوا شيئا من أموال الفقراء، بل من مليارات اللصوص الكبار.


وقد نجحت خطة البروفيسور في إقناعها ببراءته، ربما ساعد على ذلك تأجج عواطفها، فالرجل وعصابته لم يقترفوا إلا ما اقترفته تلك الأنظمة السارقة: الاستحواذ على أموال طائلة، لا يحتاجها أي إنسان، وبلا مبرر قانوني أو أخلاقي، وعدم مشاركة الفقراء في أي من تلك الأموال الهائلة المكتنزة.

 

الرمز الثوري


أضيف إلى ذلك أن الزي الأحمر الذي اختارته العصابة يرمز في المخيلة الجمعية إلى اليسار الثوري، وهو ما يتوازى مع أغنية الثوار "بيلا تشاو" الشهيرة التي غنتها العصابة لحظة انتصارها حين حفروا نفق هروبهم، وذاع هذا المقطع من الفيلم على اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي. 


أيضا أكدت أهم الشخصيات على الشعارات التقدمية مثل حرية المرأة وعدم السماح لأي فرد من العصابة بالتقليل من شأنها، وهو ما بلغ حد الصراعات الداخلية أحيانا.


يؤكد ذلك حرص صناع المسلسل على حشد المجاميع ذات الزي الأحمر والقناع، وتسويقهم على أنهم معارضون سياسيون، يتوجهون إلى مسرح الجريمة دعما للعصابة وتصديقا للفضائح الكثيرة التي فجّرها البروفيسور ليحرج الحكومة. 


بالطبع يبدو أن جزءا خامسا من المسلسل سوف يأتي. يبدو أن "نتفليكس" لا تريد الاستغناء بسهولة عن دجاجتها الذهبية!

 
التعليقات (0)