كتاب عربي 21

البشرية والسعي للانتصار المعنوي على الكورونا

جعفر عباس
1300x600
1300x600

أصبحت الكورونا أمرا واقعا، وامتثل معظم بني البشر للتوجيهات التي ترمي لمنع انتشاره، وأقساها ما يتعلق بشل حركة الناس وإرغامهم على لزوم بيوتهم. ورغم أن وسائل الإعلام الرصينة ما زالت تبذل النصح للناس حول سبل اتقاء الكورونا، إلا أن جرعات النصح صارت بسيطة، لأن الأمي والبروفيسور الجامعي صارا يعرفان كل ما ينبغي أن يعرف عن هذه الجائحة، وأنها "آتية" لكل بلد لا ريب في ذلك، وأنه لا شفاء منها إذا أصابت أحدا إلا بإذن الله وأنظمة مناعة الشخص المصاب، وبالتالي فالخير كل الخير في تفادي الإصابة بها.

وكما أن الاقتتال في سوريا واليمن وليبيا لم يعد مثيرا للدهشة أو الألم أو الاستنكار في الأوساط التي كانت منفعلة به لحين من الدهر، لأن طويل الجرح يغري بالتناسي، فقد تصالح الناس مع الكورونا، ولم يعودوا يحفلون بـ "أخبارها"، ربما سوى ما يتعلق بأرقام الإصابات بها هنا وهناك، واللافت للانتباه في هذا الصدد هو أن معظم الناس لم يعودوا يحفلون بما تورده وكالات الأنباء الكبرى عن الجائحة، بعد أن ارتفعت أسهم واتساب، وصار أكبر وأسرع شبكة لنقل المعلومات والأخبار، وإن كان كثيرون يتعاملون معها بمقتضى حكم "إذا جاءكم فاسق بنبأ".

كان واتساب هو الأداة الأكثر استخداما لنقل وتبادل كل ما يتعلق بالكورونا: طرق انتشارها والتحصين منها وأعراضها، ولكن ومنذ نحو ثلاثة أسابيع بات واضحا أن بني البشر قرروا الانتقال من مرحلة الهلع التي سببتها الجائحة إلى السعي إلى الانتصار المعنوي عليها بجعلها مادة للابتسام بل والضحك المجلجل أحيانا، ولولا قدرة الناس على الضحك والتنفيس خلال الأزمات الصعبة، لقضى معظمهم سنوات ما بعد الأزمات وهو يكلم نفسه بلغة لا يفهمها "نفسه".

 

روج عرب شرق البحر المتوسط نصيحة مؤداها: قبل الكورونا كانوا يقولون لك نظف بيتك ما تعرف مين يدوسو، ونظف وجهك ما تعرف مين يبوسو، أما في في الظرف الراهن: فعقِّم بيتك وما تخلي حد يدوسو ونظف وجهك وما تخلي حد يبوسو.

 



بعض النكات والطرائف والمقولات التي تم تأليفها للتغلب على الآثار النفسية للانحباس بأمر الكورونا هي في واقع الأمر ذات دور توعوي تحفيزي؛ خذ مثلا المنطق الذي يبدو للوهلة الأولى مقلوبا لحث الناس على البقاء في البيوت:
 
شوف مزايا الخمول وقعدة البيت: الأرنب دائما يقضي عمره كله يتقافز ويعيش فقط 8 سنوات، والكلب يجري ويلهث على الدوام ويعيش 12 سنة، في حين أن السلحفاة خاملة وقليلة الحركة وتعيش 200 سنة.

ثم انظر هذه الكلمات التي يجد فيها كل عاقل مواساة وهو رهن الاعتقال المنزلي الطوعي:

صارت الشوارع فاضية وهادئة، والبيوت نظيفة ومعقمة، والنساء توقفن عن التسوق، وصارت الأكلات المنزلية شهية ومتنوعة، والعيال تحت العناية المنزلية المركزة، والزوج يلزم البيت لـ 12 ساعة يوميا على الأقل (مسكين؛ شدة وتزول)، والسيارات مصفوفة ولا تحتاج لوقود لأكثر من مرة واحدة في الشهر، وبالتالي فالبيئة الكونية أكثر نظافة (سكان مدينة نيودلهي في الهند اكتشفوا لأول مرة أن السماء زرقاء، فبسبب غيوم التلوث التي ظلت تلف المدينة لعقود لم يكن ممكنا رؤية زرقة السماء من قبل)، والمقاهي والمولات مغلقة، وحوادث السيارات انخفضت بنسبة 80% في جميع البلدان، والنساء برغم القلق على صحة أفراد العائلة سعيدات لتوقف مباريات كرة القدم، ولا أحد يأتي على سيرة برشلونة أو مارادونا، وتوقف الناس عن اللوم والعتاب لعدم التزاور، بل صار حتى تقديم العزاء في ميت "مكروها".

وكان من بواكير الأقوال غير المأثورة التي تم تداولها في سياق رفع المعنويات في ظروف القتامة تلك الحث على تجميد العمل بـ "اطلبوا العلم ولو في الصين" و"كل الطرق تؤدي إلى روما"، والعمل بمقولة: من فارق داره قلّ مقداره (طلب العلم في الصين متداول على أنه حديث شريف ولكن معظم العلماء يرونه ضعيفا).

وعطفا على ذلك روج عرب شرق البحر المتوسط نصيحة مؤداها: قبل الكورونا كانوا يقولون لك نظف بيتك ما تعرف مين يدوسو، ونظف وجهك ما تعرف مين يبوسو، أما في في الظرف الراهن: فعقِّم بيتك وما تخلي حد يدوسو ونظف وجهك وما تخلي حد يبوسو.

وهكذا يأتي النصح لطيفا شفيفا وليس مباشرا تقريريا "يسد النفس"، في وقت يجاهد فيه الناس على التغلب على الحالة الرمادية التي يعيشون فيها، وحتى أن أحدهم يعلن باسم الأزواج أنه بعد انجلاء الكورونا لن يدخل البيت إلا للضرورة القصوى، لا يفوت على المتلقي أنه سيصبر على الحبس لأنه حاليا ضرورة قصوى.

وقد تصدت له سيدة عندما أعلنت أن البيت في غياب الزوج ماسخ كالطعام بدون ملح، ولكن وجوده الدائم فيه "يرفع الضغط" كما تفعل الزيادة في الملح، كما أن الأخرى التي شكا زوجها من أنه في "آخر الزمان" صار محبوسا في بيت الطاعة، ردت عليها وما قولك فيَّ أنا المحبوسة في العدة بين خمسة حيطان والمرحوم جالس إلى جواري؟ وما زال الرجل يتساءل ماذا تقصد بالحائط الخامس.

وأختم جولة رصد مساعي البشرية لكسب الحرب على الكورونا معنويا بصيحة من الطرف الأجهر صوتا في المعركة، أي الرجال، الذين ما إن سمعوا بمنع حفلات الزواج والأعراس في الظروف الراهنة، حتى تساءلوا: ما في أمل في عفو عام عن المتزوجين!

مرة أخرى أقول إنه وفي تقديري فإن الانصراف إلى فبركة النكات والطرائف في ظروف شديدة القتامة سلاح معنوي ضروري يخفف من حدة الهلع والجزع التي سادت في جميع البلدان بعد أن تأكد أن الكورونا ساحقة ماحقة، دون أن يعني ذلك الاستخفاف بمخاطرها. 

التعليقات (0)