قضايا وآراء

الإجرام.. صنعة جيوش عربية

أحمد خليفة
1300x600
1300x600
الإجرام الذي مارسه معمر القذافي على الليبيين لمدة 42 عاما، لا يساوي شيئا أمام الإجرام الذي يمارسه خليفة حفتر منذ 16 أيار/ مايو 2014 وحتى الآن. كلاهما مجرم طاغية سفاح سلط أبناءه وأبناء عمومته على الليبيين، لكن حفتر تفوق على القذافي بمراحل كبيرة جدا. القذافي استهدف البلاد وخصومه بإجرامه وكان يخاف ثورة الشعب عليه، أما حفتر فاستهدف كل شيء، فلم يترك شيئا، ومليشياته استباحت ليبيا وشعبها وحاضرها ومستقبلها، بل ورَهَنَ البلاد بعمالته لحكامِ أبو ظبي والقاهرة.

هذه حقائق لا يمكن أن ينكرها أحد، سيؤكدها التاريخ عندما يحكي للأجيال القادمة من الليبيين عما عانته بلادهم، خصوصا خلال هذه السنوات على يد شذاذ الآفاق الحفتريين، عسكريين وساسة، الأحياء منهم والأموات على حد سواء.

في الأيام الماضية قلت لأحد الزملاء الصحفيين، إنني أصبحت لا أشك في أن دفعة الجيش الملكي التي كان من طلبتها معمر القذافي وخليفة حفتر وعبد السلام جلود ومصطفى الخروبي والخويلدي الحميدي وأبو بكر يونس جابر؛ هي دفعة ملعونة، فهم عصابة انقلابيين مستبدة قذرة، ظلمت ليبيا وتاريخها ومستقبلها، وضباطها يتحملون المسؤولية التاريخية عن التخلف والخراب والدمار والوبال والشر الذي تعيشه ليبيا منذ أيلول/ سبتمبر 1969 وحتى الآن. لقد وثبوا على السلطة ودمروا البلاد ووضعوها في مصاف الدول المتخلفة، بعد أن افتكوها من نظام ملكي كان يسير بها نحو التقدم.

أذكر أنني في أحد الأعوام قبل 2011 تحدثت مع ضابط برتبة عقيد كان ناقما على الأوضاع حينها، قال لي إن حجم الفساد المالي والأخلاقي وحجم النهب للمال العام في الجيش، لا يمكنك تخيله أو تصوره، وخصوصا في أيام ذكرى الاحتفال بنكبة أيلول/سبتمبر، وهذا خلق حالة من الخَور والانهزامية في نفوس ضباط الجيش المُهمَّشين، ستجلعهم ينتقمون من الليبيين إذا أتيحت لهم الفرصة، لأنهم عاجزون عن مواجهة معمر القذافي أو الانقلاب عليه.

صدمني كلام ذلك الضابط حينها، لكن الآن وبعد تجربة أدركت أنه كان صادقا في كل ما قاله، وللأسف هذا ما حدث، وللأسف الشديد أن هذا الضابط الآن برتبة لواء في عصابات حفتر المسلحة.

الجيوش في عالمنا لا تريد أن تترك لنا خيار حكم بلادنا كبقية الشعوب التي قادها رؤساؤها المدنيون إلى النهضة والتقدم. هذه الجيوش تريد أن تحكمنا أو تقتلنا، ليس هناك خيار آخر. لديها شبق بشع للحكم لا يمكن تخيله ولا حدود له، تتوثب للاستيلاء بالقوة على السلطة كلما أتيحت لها الفرصة، ولا تجيد سوى الانقلابات وتدمير الشعوب، وهي سبب المأساة المُهينة التي نعيشها منذ 51 عاما.

بعيدا عن هوس ارتداء اللباس العسكري ووضع الرتب على الأكتاف والنياشين على الصدور، وبعيدا عن دخول الكليات العسكرية وإفرازاتها في مجتمعاتنا، ينبغي على الليبيين أن يفكروا لأولادهم في غد أفضل، وأن يبحثوا لهم عن فرص أفضل تمنحهم الاحترام والحياة الأفضل والأكرم، بعيدا عن جحيم العسكرة التي لا تفرز في عالمنا الثالث سوى شخصيات مهزومة ومأزومة وغير سوية، لا تجيد سوى التسلط والإهانة والاحتقار، وأحيانا العمالة إذا سنحت لها فرصة حكم الشعوب المغلوبة على أمرها.
التعليقات (0)