كتاب عربي 21

خفض أسعار الوقود.. هل يؤجل الفوران المصري؟

ممدوح الولي
1300x600
1300x600

فى بدايات عام 2008، كانت وزارة التضامن المصرية المسؤولة عن ملف البطاقات التموينية ذات السلع المدعمة، تستعد لإعلان قاعدة بيانات للفقر كي تقتصر الاستفادة من البطاقات التموينية على هؤلاء، مع التجهيز لإلغاء البطاقات التموينية حمراء اللون، التي كان أصحابها من أصحب الدخول المتوسطة، يحصلون على دعم جزئي، بخلاف أصحاب البطاقات التموينية خضراء اللون، التي كان أصحابها من ذوي الدخول المحدودة يحصلون على دعم كلي. لكن الشهور الأولى من العام شهدت ما أطلق عليه مظاهرات الخبز، بعد وفاة أشخاص في طوابير الخبز في أكثر من محافظة، بسبب التدافع للحصول على الخبز.

وهنا تحول المسار الحكومي الذي كان يجهز لخفض أعداد المستفيدين من البطاقات التموينية إلى اتجاه معاكس، حيث تقرر تحويل كل البطاقات التموينية الحمراء إلى بطاقات خضراء، ليستفيد أصحابها من الدعم الكلي.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل سارع الرئيس مبارك في الخامس من أيار/ مايو إلى إصدار قرارات جماهيرية، منها منح العاملين بالدولة علاوة استثنائية بنسبة 30 في المئة، ومنح العاملين بالمحليات حافز إثابة إضافي شهري بنسبة 50 في المئة من مرتباتهم، ومنح أصحاب المعاشات زيادة بنسبة 20 في المئة، على أن يتم تنفيذ تلك القرارات من بداية الشهر، وليس من بداية العام المالي (حزيران/ يونيو) كالمعتاد في زيادات أجور الموظفين.

إعادة بعض المحذوفين من بطاقات التموين

وتكرر المشهد المصري خلال الأسابيع الأخيرة، فمع سير وزارة التموين في استبعاد شرائح جديدة من أصحاب البطاقات التموينية، والتي أنهت ثلاثة مراحل منها في نيسان/ أبريل الماضي وبدأت العمل بالمرحلة الرابعة في آب/ أغسطس، استعدادا لمراحل تالية تصل إلى سبع مراحل، إذا بالمقاول المصري محمد على يدعو لتظاهرات يوم الجمعة، العشرين من أيلول/ سبتمبر.

وسارع وزير التموين على المصيلحي، القادم من الكلية الفنية العسكرية، والذي تصادف أنه كان أيضا المسؤول عن ملف التموين خلال مظاهرات الخبز عام 2008، للاستفادة من خبرته السابقة، فأعلن عن إعادة فتح باب التظلمات للذين تم حذفهم من البطاقات التموينية بداية من اليوم السابق للتظاهرات، وبعد أيام قليلة أعلن أنه قبول تظلمات 1.8 مليون شخص، بحيث تمت إعادتهم للاستفادة من المقررات التموينية المدعمة.

 

لامتصاص الغضب الجماهيري سارع الجنرال لاتخاذ قرارات أخرى مثلما فعل مبارك عام 2008

ولامتصاص الغضب الجماهيري سارع الجنرال لاتخاذ قرارات أخرى مثلما فعل مبارك عام 2008، حيث تمت الاستجابة لمطلب الصناعيين الذي ينادون به منذ ست سنوات بخفض سعر الغاز الطبيعي المتجه للصناعة، كما تم الإعلان عن أول خفض لسعر البنزين بأنواعه الثلاثة.

وسارع المسؤولون للسير بمسار التخفيف عن المواطنين، حيث نفى وزير المالية ما أعلنته قيادات في الوزارة للتجهيز لفرض ضريبية رسم تنمية بنسبة 30 في المئة على السيارات، وقامت وزيرة التضامن بصرف معاشات شهر تشرين الأول/ أكتوبر في اليوم الأول من الشهر، بدلا من الصرف المتعاد على ثلاثة مواعيد مختلفة خلال الثلث الأول من الشهر، واتفق رئيس البرلمان مع رئيس الوزراء لإلقاء بيان عاجل متضمنا عددا من القرارات الجماهيرية.

وامتد الأمر إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان، الصامت منذ تشكيله عن ممارسات النظام القمعية، فإذا به يصدر يصدر بيانا ينتقد فيه فحص رجال الشرطة هواتف المواطنين في الشوارع، باعتبار ذلك مخالفا للقانون والدستور، حتى مجلس نقابة الصحفيين، الموالي في أغلبيته للنظام العسكرى، أصدر بيانا يتحدث فيه عن الصحفيين المعتقلين، للمرة الأولى منذ ست سنوات.

توقع تأجيل قرارات جبائية

وهكذا يتوقع المزيد من تلك القرارات لاسترضاء الجماهير الغاضبة، بعد أن شهدت مظاهرات العشرين من أيلول/ سبتمبر مظاهر جديدة غير مسبوقة، شملت تمزيق صور للجنرال في الميادين والمطالبة برحيله والتعرض لحرمه وابنه، إلى جانب الاتجاه لتأجيل بعض القرارات التي كان يتم التجهيز لها، مثل زيادة رسوم ضريبة الدمغة على فواتير الكهرباء والمستخرجات والوثائق الرسمية وعلى تحويل الأموال عبر البنوك.

 

يتوقع المزيد من تلك القرارات لاسترضاء الجماهير الغاضبة، بعد أن شهدت مظاهرات العشرين من أيلول/ سبتمبر مظاهر جديدة غير مسبوقة، شملت تمزيق صور للجنرال في الميادين والمطالبة برحيله والتعرض لحرمه وابنه

ويتوقع أيضا تأجيل إقرار مشروع قانون الإيجارات القديمة للأماكن غير المخصصة للسكن، وكذلك فرض رسم على الشواطئ، ووقف تقديم الخدمات لمن لا يقومون بطلاء واجهات منازلهم في المحافظات، وتهدئة خطوات إلغاء سيارات التوك التوك وإحلالها بسيارات الفان.

ويظل السؤال: هل تستطيع القرارات التي تم اتخاذها تهدئة المشاعر الغاضبة في الشارع المصري؟ حيث نجد قرار خفض سعر البنزين كان محدود الفاعلية، حتى أن مسؤولا بهيئة النقل العام الحكومية قال إن أسعار التذاكر في أتوبيسات الهيئة لن تتغير بسبب ضآلة قيمة الخفض. فقد تم خفض سعر لتر البنزين بأنواعه الثلاثة (80 و92 و95 أوكتين) بقيمة موحدة تبلغ 25 قرشا، بنسبة تراوحت بين 3 إلى 4 في المئة من سعر اللتر، حيث لحقت بسعر البنزين 80 أوكتين، الأكثر استخداما لدى الطبقات الشعبية وسيارات الأجرة، خمس زيادات بقيمة 585 قرشا، ترتب عليها ارتفاع سعر اللتر من 90 قرشا قبل تولي الجيش السلطة؛ إلى 675 قرشا في تموز/ يوليو الماضي.

ونفس الأمر لبنزين 92 أوكتين، الذي زاد سعره من 185 قرشا إلى ثماني جنيهات، خلال الزيادات الخمس التي بلغ مجموعها 615 قرشا، مما جعل خفض السعر بنحو 25 قرشا أمرا غير مؤثر بدرجة كبيرة.

وخلت إجراءات الخفض الحكومي من استهداف أسعار السولار، الأكثر استخداما في المواصلات الجماعية الشعبية، عبر سيارات الميكروباص التي تنقل غالب سكان الحضر، وكذلك استخدامه في عمليات الري والحصاد الزراعي، كما خلت من استهداف الغاز الطبيعي للأغراض المنزلية والتجارية، والذي يشكو المصريون من زيادة تكلفته.

الغاز بأوروبا أرخص من مصر

مع خفض سعر الغاز الطبيعي لصناعة الإسمنت من 8 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية إلى 6 دولارات، بنسبة تراجع 25 في المئة، ولصناعات الحديد والألومنيوم والنحاس والسيراميك من 7 دولار إلى 5.5 دولار، بنسبة تراجع 21 في المئة، يرى الصناعيون أن تلك الأسعار المخفضة ما زالت تزيد كثيرا عن سعر الغاز في الدول الأخرى، حيث بلغ متوسط سعر الغاز الطبيعي في الاتحاد الأوروبي بالربع الثاني من العام الحالي 4.28 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، وبالربع الثالث 3.83 دولار. وفي الولايات المتحدة كان متوسط سعر الغاز الطبيعي بالربع الأول من العام 2.9 دولار، وبالربع الثاني 2.56 دولار، وبالربع الثالث 2.39 دولار.. رغم استيراد أوروبا معظم استهلاكها من الغاز الطبيعي، حيث بلغت وارداتها من الغاز الطبيعي في العام الماضي 550 مليار متر مكعب، كما بلغت واردات الولايات المتحدة من الغاز في العام الماضي 82 مليار متر مكعب، في حين تقول الحكومة المصرية إنها حققت الاكتفاء الذاتي به وتقوم حاليا بالتصدير.

 

الإجراءات الحكومية لامتصاص غضب الجماهير قد أتاحت للطرفين فترة للتهدئة وإعادة الحسابات، لكن تلك الإجراءات الحكومية أظهرت مدى الارتباك الذي يمر به النظام

أما فيما يخص البطاقات التموينية فقد صرح مسؤل بوزارة التموين أنه تم استبعاد سبعة ملايين شخص منها، خلال شهري كانون الأول/ ديسمبر و كانون الثاني/ يناير الماضيين وإعادة إدراج ثلاثة ملايين منهم، وذلك قبل بدء مراحل الحذف حسب القواعد الجديدة التي بدأت في آذار/ مارس الماضي، وهو ما يعنى أن عدد المستبعيدن من البطاقات يزيد عن رقم 1.8 مليون فرد، الذيي أعلنت الوزارة أنه تم قبول تظلماتهم من الحذف وتمت إعادتهم.

وتؤكد ذلك بيانات وزارة التموين نفسها التي أشارت إلى بلوغ عدد المقيدين على البطاقات 69 مليون فرد في أيار/ مايو 2016، بينما بلغ العدد 63.4 مليون فرد في كانون الثاني/ يناير من العام الحالي، أي بنقص حوالي 5.6 مليون فرد.

وهكذا يمكن القول إن الإجراءات الحكومية لامتصاص غضب الجماهير قد أتاحت للطرفين فترة للتهدئة وإعادة الحسابات، لكن تلك الإجراءات الحكومية أظهرت مدى الارتباك الذي يمر به النظام، وعدوله عن أسلوب الغطرسة بعض الشيء، حيث ما زال التهديد والوعيد للمعارضين يتم من خلال الشرطة، وما زال ملف عشرات الآلاف من المعتقلين مبهما، وما زالت الثقة في النظام منخفضة.

التعليقات (1)
مصري جدا
الأحد، 06-10-2019 04:12 م
تقصد أكذوبة خفض أسعار الوقود ،، ربع جنيه ،،