قضايا وآراء

خيارات توازن القوى لدول الشرق الأوسط

1300x600
تشهد موازين القوى في الشرق الأوسط عواصف من التبدلات وسط صراعات النفوذ بين الأقطاب الكبرى، وسباقات التسلح بين القوى الإقليمية، ونمو كيانات اللا دولة وازدياد حضورها وتأثيرها. فعلى الصعيد الدولي يبرز جلياً التنافس الأمريكي–الروسي، لما تمثله المنطقة من أهمية إستراتيجية لكلا اللاعبين. فيكتسب الشرق الأوسط أهمية جيوسياسية قصوى لدى واشنطن لعدة أسباب لعل أبرزها غناه بمصادر الطاقة، وسيطرته على العديد من المعابر البرية والبحرية التي تربط بين القارات الثلاث، بالإضافة إلى قيمته الدينية والتاريخية عند اللوبي الصهيو-أمريكي، وارتباطه بالأمن الإسرائيلي.

بينما في المقابل تسعى موسكو بأن يكون لها موطئ قدم في الإقليم كونه يربطها بالمياه الدافئة عبر البحر الأسود، وتمتلك فيه قاعدتها البحرية الوحيدة خارج حدودها في طرطوس، ومن ناحية أخرى ترى روسيا بأن أمريكا تبارك إطاحة الأنظمة الحليفة للكرملين على غرار القذافي في ليبيا والأسد في سوريا، وأخيرا وليس آخرا، وفي الوقت الذي تسعى فيه إدارة بوتين إلى إعادة الاعتبار إلى روسيا كقوة عظمى، فإن التباري على الشرق الأوسط يعتبر ميدانا مثاليا لإبراز القوة الروسية.

وبينما تشكل هاتان القوتان أقطاب شد وجذب في المنقطة، يتجه الشرق الأوسط إلى حلقة مغلقة من الصراعات، والتي ستظل مستمرة وممتدة بين الدول مالم تقم القوى الإقليمية للشرق الأوسط بخلق توازن جديد. وهنا تسوق نظرية توازن القوى Balance of Power أربعة خيارات ممكنة:

الخيار الأول: التوازن الداخلي Inner Balance

وهو أن تقوم الدول برفع قوتها الداخلية بحيث تصبح ذات ثقل مكافئ في الميزان، وذلك من خلال تحديث النظام المؤسسي ونظام الحكم، ورفع القدرات العسكرية والاقتصادية. إلا أن هذا المسلك في حال الشرق الأوسط ينصدم ببعض المعوقات، فالتحديات الحالية أكبر من مستوى الدول القطرية وتكتسب صفة إقليمية، كما أنه من المستحيل على أي دولة في الشرق الأوسط مهما نمّت من مصادر قوتها أن تصبح لاعب مكافئ لأمريكا أو روسيا.

الخيار الثاني: التحالف مع أحد المعسكرين Bandwagon

وفيه تتجه الدول الأصغر إلى حماية نفسها بالتحالف مع إحدى الأطراف الكبرى المشكلة للتهديد، وخاصة حينما يغدو الصراع وشيكاً، إلا أن هذا الأجراء أثبت كارثيته من خلال الانقسام الذي عصف بالشرق الأوسط إبان الحرب الباردة، وفي إطار الوضع الحالي فإن الدول التي ستفضل الاحتماء بمظلة القوى الكبرى ستصبح ساحة لعملياتها ومحاربا بالوكالة عنها.

الخيار الثالث: تمرير الصراع إلى أطراف أخرى Buck-passing

وذلك بأن تقوم دول الشرق الأوسط بدعم أطراف وتقويتها أكانت دول أم كيانات لادولة لتخوض الصراع نيابة عنها، وهو حل أثبت فشله في سوريا من خلال عدم قدرة المعارضة المدعومة من القوى في السنية في الإقليم من الإطاحة بنظام الأسد، كما أثبت محدودية فعاليته في اليمن من خلال دعم التحالف العربي لحكومة هادي، ما يحتم على الأقوى الإقليمية في الشرق الأوسط أن تضاعف من حضورها في الصراعات القائمة.

الخيار الرابع: التوازن الخارجي External Balance

وفيه تقوم القوى الأصغر في النظام بزيادة قوتها من خلال التحالف فيما بينها لتشكيل كفة مكافئة للأقطاب الكبرى, ما يحفظ أمنها الإقليمي ويقلل حدة الصراع العالمي من خلال كسر القطبية.  و حين معايرة القوى الإقليمية في الشرق الأوسط وفق معايير قوة متعددة تأخذ بعين الاعتبار العناصر البشرية و الجغرافية و الثقافية و الاقتصادية  فإن القوى التي تستطيع تحريك بقية دول الإقليم تتمثل في أربعة دول هي : تركيا و المملكة العربية السعودية و مصر و إيران. وفي الوقت الذي لايمكن اعتبار إيران فيه حليفاً، يصبح المثلث التركي، المصري والسعودي هو الحل الأكثر قابلية للتحقيق.

ولكنه كغيره من الخيارات يواجه التحالف بين قوى الإقليم مجموعة من التحديات و المعضلات، فمن ناحية تبرز الخلافات بين القوى على العديد من الملفات, كما تحاك العديد من علامات الاستفهام على الدور الذي أصبحت تلعبه مصر حاليا, ما يبقي السعودية و تركيا على الكفة. كما لا يمكن إهمال حقيقة أن القوى الكبرى ستحاول جاهدة  منع أي تقارب بين دول الشرق الأوسط لما سيمثله ذلك من تهديد لنفاذيتها إلى الإقليم و تحدياً لموازين القوى الذي تحرص على الحفاظ عليه.

الخيار البديل:

طبيعة التحديات المركبة و المتعددة المستويات تتطلب إجراءات غير اعتيادية للتعاطي معها, فسلوك طريق منفرد من بين الأربعة السابقة لن يكون كافيا لانتشال الشرق الأوسط من الفوضى, ما يعني ضرورة خلق مسلك جديد يتيح للقوى الإقليمية خلق التوازن في خضم المتغيرات الكثيرة, و ذلك يجب أن يمر عبر ثلاث مراحل متسلسلة. على المستوى الأول يتوجب على القوى الإقليمية خلق توازن داخلي – الخيار الأول – من خلال عملية تنمية شاملة. والى حد كبير نجحت تركيا في إنجاز هذا الأمر خلال العقد المنصرم، وتتجه المملكة العربية السعودية إليه من خلال رؤية الأمير محمد بن سلمان 2030.

يأتي في المرحلة الثانية عملية التكامل بين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط – الخيار الرابع- وهو وإن بدا صعباً، إلا أنه و من وجهة النظر الواقعية Structural Realism ,فإن حجم التهديد الذي يهدد دول المنطقة بالزوال قد يكون عاملاً حفازاً في حث الدول على التحالف والالتقاء في منتصف الطريق, والنظر إلى المصلحة العامة كوسيلة لحفظ المصلحة الخاصة.  وهو ما حدث تاريخياً بتحالف بريطانيا و أمريكا مع الاتحاد السوفييتي إبان الحرب العالمية الثانية لمواجهة الخطر النازي.

وبالتأكيد فإن هذا التحالف إذا تم فلن يروق للقوى الكبرى وخاصة لتضارب المصالح و الرؤى بينهما، وهنا يأتي دور المرحلة الثالثة وهي التحالف مع قوى كبرى من خارج صندوق الصراع القائم و لعل الصين تمثل الخيار الأمثل. فارتباط الشرق الأوسط بشبكة مصالح مع دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن وتمتلك حق الفيتو مهم جداً لتخفيف حدة الأزمة. إلا أن هذا التحالف يجب أن يكون مقتصراً على الجانب الاقتصادي وذلك لسببين. ففي المقام الأول لن تكون الصين مستعدة للدخول كطرف عسكري ضمن إقليم جغرافي بعيد في الوقت الذي تشهد باحتها الأمامية تنافساً مع الولايات المتحدة على سيادة بحر الصين. وثانياً إذا فرضنا أن الصين دخلت لسبب أو لآخر ضمن المعادلة الأمنية والحسابات العسكرية للشرق الأوسط فإن هذا سيعمق الأزمة ويضاعف الصراع في الوقت الذي تحتاج المنطقة إلى حليف يمتص شدة التنافس.

وعليه فإن التقارب مع الصين يجب أن يكون ضمن الملف الاقتصادي من خلال أربع قنوات تتمثل في: استغلال رؤوس الأموال العربية للاستثمار في الصين، فتح الأسواق في منطقة الشرق الأوسط للمنتجات الصينية، استغلال الموقع الجغرافي للمنطقة بإعطاء الصين امتياز التصنيع والتصدير عبر المناطق الحرة والموانئ في الشرق الأوسط، ويأتي رابعاً النفط الذي أصبحت الصين أكبر المستهلكين له على مستوى العالم ومازال احتياجها إليه يشهد نمواً مستمراً.  ومن خلال رفع مستوى الاعتماد المتبادل بين الصين والشرق الأوسط فإن المنطقة ستدخل ضمن حسابات الأمن القومي لبيكين.

وعلى الرغم من صعوبة الحل في إطاره التنفيذي وفي خضم تعقيدات المناخ العام، إلا أن هناك فرصة تاريخية لتحقيقه، حيث أن حجم التهديد المتنامي وفشل الحلول المنفردة يدفع الدول بقوة باتجاه التحالف. وفي المقابل فإن   المحور الانجلو أمريكي -الذي مثل الممانع التاريخي للتحالفات في الشرق الأوسط - يعاني من قضايا داخلية تحد من حضوره الخارجي. فبريطانيا لازالت تحاول التكيف مع نتائج تصويت خروجها من الاتحاد الأوروبي والتعامل مع التبعات التي أصابت اقتصادها، وفي المقابل تبدو الولايات المتحدة الأمريكية مشغولة بالانتخابات الرئاسية والصراع الجمهوري/ الديمقراطي، في الوقت الذي لن يرغب فيه الرئيس أوباما بختم مشواره الرئاسي بقرار مثير للجدل، وسيترك ملف الشرق الأوسط للرئيس اللاحق الذي سيتم انتخابه نهاية العام. ما يمنح فراغ زمني يمكن استغلاله لإحداث قفزات ستضطر الأطراف الأخرى إلى قبولها كجزء من الواقع فيما بعد.