كتاب عربي 21

حكومة الشاهد على نفسه بالخسران

1300x600
قبل استيفاء الأجل القانوني لإعلان الحكومة قدم السيد يوسف الشاهد المكلف بتوليفها قائمته للإعلام (يوم 200 أغسطس) بصيغة اليقين أنها القائمة النهائية المقبولة من الأحزاب ومن المنظمات، وفي انتظار المصادقة عليها من قبل البرلمان وأدائها اليمين واستلامها ملفاتها ستكون هناك عطلة عيد الأضحى ثم أسابيع العودة المدرسية المضطربة. فرصة للشاهد ليبدأ العمل دون ضغط ولكن أي ضغط يمكن أن يخافه السيد الشاهد وقد ضمن مثيري الشغب في حكومته واطمئن إلى أن (ديقاج الثورية) قد ماتت نهائيا ودفنت. والسؤال الآن في الشارع المصيف عن كيف ولماذا ثم ماذا بعد؟ 

كيف شكلت حكومة الشاهد لرئيسها؟

الدافع الرئيسي لإقالة الصيد والمجيء بالشاهد هو خلاف بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة. فالرئيس يريد وزيرا أولا يؤمر فيطيع لا رئيس حكومة يستقل عنه بإدارة البلد فيخرج الرئيس من المرحلة براتب جيد فقط. لم يخف الرئيس امتعاضه من الدستور في جانب فصل السلطات والتضييق على رئيس الدولة لذلك كان الشاهد هو البروفيل المناسب لينفذ الرئيس من خلاله إدارته للبلد. وطبقا لقراءة الرئيس في الوقائع الجارية تبين شكل الحكومة. ونعتقد أن خلفيات الرئيس في تشكيل الحكومة على يد الشاب الخبير الزراعي الذي نبغ في السياسة فجأة هي التالية.

(1) أولاّ: احتواء النقابة على طريقة بورقيبة في الستينيات

كان الرئيس يخشى قوة النقابة على مرحلة تمتعه بالرئاسة وهو الذي عاصرها في قوتها وضعفها وقد انتهى إلى أن تعطيل ماكينة الإنتاج سببها الاتحاد فعمل جاهدا على إدماجه في الإدارة (كما كان الأمر في الستينات زمن شباب الرئيس عندما أخضع بورقيبة النقابة لسلطته) وجاء الاتحاد إلى وزارة الشاهد بوزارات مفاتيح أهمها الشؤون الاجتماعية. ضمن الباجي تهدئة على الجبهة الاجتماعية طالما طلبت من النقابة فلم تمنحها. وأرضى الباجي النقابة بأكثر من وزير وانتقم لها من آخرين فقد طرد بطلب منها وزير الصحة ووزير الشؤون الدينية. في الأفق المنظور حول الباجي النقابة الشرسة إلى أداة طيعة وقد نراها تتبرأ من تاريخها النضالي زمن الترويكا لتنال المزيد من هدايا الباجي وأعطياته.

(2) ثانيا: قص أجنحة النهضة 

حضر الرئيس مؤتمر النهضة العاشر وعاد مرعوبا من قوة الحزب فقرر أن يحجم الحزب لكنه كان في حاجة إلى كتلته البرلمانية وهو أمر أطمع الحزب في مشاركة واسعة بحجم وزنه الانتخابي (البرلماني) في لحظة التخلي عن الحبيب الصيد والدخول التفاوض البراغماتي على جثته خرج رموز اليسار الاستئصالي يعلنون رغبتهم في المشاركة فسقط سقف مطالب حزب النهضة إلى المشاركة الرمزية مانحين حكومة الشاهد شرعية قبل إعلانها. رعب الإسلاميين الجلي كان ورقة أحسن استغلالها الرئيس فلم يدم رعبه من قوة النهضة في مؤتمرها إلا قليلا.

(3) ثالثا: استعادة حزب فرنسا العاجز دون شرعية الصندوق

ما تبقى من حزب فرنسا أو اليسار الثقافي الفرانكفوني فقد صلته بالشارع وخسر في الصندوق والوقائع تكشف أنه في طريق التلاشي لكنه مازال يحظى بسند فرنسي والرئيس محتاج إلى رضا فرنسا ومساعداتها لذلك استعاد حزبها للحكومة ووزره ولا يهم هنا إن كان هذا الحزب لا يجمع ألفي ناخب في الصندوق. إن تدليله غمزة متوسلة لدعم فرنسي يحسن الرئيس إرسالها طبقا للتدريب البورقيبي.

بقية تفاصيل الحكومة ترضيات وظيفية جراحية كمسهلات غنائم (تفويت في أملاك الدولة أو إسكات الفنانين بمواصلة سياسة الرشوة الثقافية أو الرياضية) لكن الهدنة الاجتماعية حصلت بالقوة واليسار سيؤجل معركته العلنية مع الإسلاميين وفرنسا راضية وبنوك الإقراض تحتاج الهدوء والباجي يخرج بطلا بشكل مختلف خصوصا عن خروج بورقيبة. وإذا كان بورقيبة قد عاش بشعار أنه يوغرطا الذي انتصر (قائد أمازيغي حارب روما وانهزم) فإن الباجي سيكتب بفخر أنه بورقيبة الذي انتصر.
معركة اليسار الجانبية داخل معركة تشكيل الحكومة

لماذا أضيف فصل جديد للمعجزة التونسية؟ ضم اليسار المتطرف إلى جانب النهضة في حكومة واحدة؟ هل هي فعلا أخوية في الوطن تذكرها الجميع فجأة بعد تخريب اليسار لحكومات النهضة ومرحلتها؟  أيقن اليسار أن تحالف النهضة مع النداء سيقصيه من الحياة السياسية وغنائمها. لذلك قرر القفز داخل الحكومة. ولو بلحس كل خطاب العداء المبدئي بين اليساري التقدمي والإخواني الرجعي الظلامي القاتل. 

لعبة توزيع الأدوار بين النظام القديم واليسار خاصة منه الذين يضعون أيديهم على الأجهزة الأمنية معروفة خاصة للإسلاميين. لعبة مكشوفة على من لدغه الحنش فصارت كل الحبال في عينيه أفاعي. لقد أدى اليساري المتطرف وظيفته التي خلق من أجلها. لذلك جوزي بما يستحق وضع اليد على الوظيفة العمومية أي الإدارة التي تصنع ربيع تونس وأعاصيرها. ووضع اليد على الإدارة معناه المزيد من إغلاق الطريق على تغلغل النهضة فيها تبعا لقراءة سلوك النهضة السياسي الذي تخلي عن الوزارات من أجل التسرب الصامت للإدارة. وقد ظن أن اليسار غافل عن ذلك.من أجل هذا ستواصل النقابة اليسارية حربها من داخل الحكومة ضد الإسلاميين فهي تحسن القيام بهذه المهمة جيدا. هو إذن مواصلة لقطع الطريق على محاولات تغلغل النهضة في الإدارة المحرمة عليها.

إنه برنامج فرعي لليسار النقابي قبل من أجله الدخول في الحكومة بجانب النهضة وهذه المعركة الجانبية لا تزعج الباجي بل تساعده في ترك جسم النهضة غريبا عن الدولة وصالحا فقط لتزكية الحكومات. وكرهان أول سيقوم وزير الشؤون الاجتماعية (النقابي السابق) بطرد الرئيس المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المعروف بولائه لحزب النهضة ولن يستغرق منه ذلك إلا وقت كتابة المذكرة الداخلية يوم الاستلام.

حكومة نزوة رغم الرغي الإعلامي حولها

هل كنا محتاجين إلى حكومة أخرى؟ كان الباجي محتاجا إلى رئيس حكومة مطيع وقد اصطنعه على عينه ولا يهم هنا أن نصف الوزارة التي خسرت ثقة البرلمان قد عادت هذه تفاصيل تجد لها تسويقا إعلاميا. يوجد دوما إعلاميون مدربون على إقناع الناس بأن ماء البحر ليس مالحا. وقد وضع الباجي هؤلاء الإعلاميين في جيبه.

ماذا يمكن أن تقدم هذه الحكومة للشعب

بدأ الإعلاميون إياهم يطلبون من الناس الصبر والتريث و(دع الحكومة تخدم). فالمعجزات ليست متاحة. وسنستمع كثيرا إلى هذه الجمل المتخشبة حتى نسلم أمرنا للحكومة. كل القضايا مؤجلة على طاولة الحكومة الجديدة. التشغيل والتنمية والديون التي حلت آجالها والمواسم الزراعية التي أعدمها الجفاف وأزمة المياه في الوسط والجنوب وإصلاح التعليم والثقافة و قضية المناجم التي أحرقت كل الأيدي التي امتدت لحلها؟ من سيمول هذه الحكومة؟ لحل هذه القضايا المؤجلة؟ 

يوجد عند الفرنسيين مثل يدل دلالة بالغة على سياسية الباجي في مسرحية استبدال رئيس الحكومة (لترى غرفتك نظيفة قم بإخفاء المزبلة تحت الكنبة).

لقد قام الباجي بإخفاء مزبلة تجمعت في غرفته (رئاسته) تحت الكنبة وعلينا نحن أن لا ننحني كثيرا لنرى ما تحته. أما إذا كان في تلك المزابل ما يمكن أن يتحول إلى مواد متفجرة أو منتجة لعناصر جرثومية كما كل المزابل فلا يجب أن ننشغل به كثيرا لأنها في لحظة انفجارها ستعصف بالذي يجلس عليها.

وهذه حالة من الشماتة العاجزة تعبر عن روح التونسيين الذين سيستقبلون بها حكومة الشاهد بعد عيد الأضحى.