كتاب عربي 21

جمنة: استقلال النخلة

نور الدين العلوي
1300x600
1300x600
لا يهم أن تعرف موقع جمنة في الجغرافيا، يكفي أنها واحة صغيرة من واحات تونس أحدثت فيها حدثا سيكون له خبر في التواريخ الكبيرة. التونسيون الآن مختلفون فيها اختلافهم في أمور كثيرة لكنهم منتبهون لتفاصيلها كأنها كل تونس. ولقد غطت على صغرها أخبارا كثيرة وطرحت أسئلة أكثر.

هل جمنة فاتحة عهد مشاعي جديد؟ هل هي كمونة باريس بعثت في جمنة؟ وهل هي مغامرة غير محسوبة العواقف على سلامة بنيان الدولة التونسية إن بقي لها فعلا بنيان يحرص عليه التونسيون؟ الصراع على أشده بين المتحمسين لجمنة والمرعوبين منها. لكن المقال لا يشفي غليل من يطرح هذه الأسئلة وإنما يحاول عرض القضايا التي فرضتها جمنة على النقاش العام.

الأراضي الدولية (ملك الدولة)

كانت إحدى أهداف الاستعمار الفرنسي استعادة أسطورة مطمورة روما في تونس. حين كانت كل الإمبراطورية تتغذي من قمح أفريكا (تونس) فاستولى بخبث استعماري على أهم المساحات الخصبة في طول البلاد وعرضها. ووزعها على المعمرين وقد استولى بقوة الحديد النار والحيلة القانونية على أراضي الأحباس (الوقفيات) فلما خرج مدحورا قفزت الدولة الجديدة فوضعت يدها على تلكم الأراضي وزادت فحلت الأحباس المتبقية وضمتها للملك العام. وقام الزعيم بورقيبة بأكبر عملية رشوة سياسية لأنصاره فوزع عليهم نصيبا وافرا منها بما ألّف حوله أول طبقة من المستفيدين من السلطة والذين سيفرّخون تقاليد الرشوة السياسية حتى يومنا هذا.

شكلت تلك الأراضي الرصيد العقاري الأغلى في البلاد. لكنها كانت عاهة مستدامة في الاقتصاد الوطني فقد فشلت الدولة في إدارتها وتردى إنتاجها عما كانت عليه زمن الاستعمار وأهمل أغلبها وتم الاستيلاء التدريجي على كثير منها من طرف المغامرين ودفع بن علي أجزاء منها رشوة للنقابيين والمتنفذين في حزبه وإلى أصهاره وحتى اللحظة يعتبر أكثر من مليون هكتار منها خارج دورة الإنتاج الحقيقية والمنتج منها لا تتمتع الدولة بغلته لفساد عقود التأجير التي منحت به أجزاء منها كرشى سياسية. وتعتبر ضيعة التمور الممتازة بجمنة إحدى حالات سوء تصرف النظام في الملك العام.

في فجر الثورة قام الأهالي بوضع أيديهم على هذه الضيعة وباتفاق تم مع السلطة المحلية (المحافظ والمعتمدين) دون أن يغيروا في صبغتها العقارية بالبيع أو التفتيت وطوروا إنتاجها وباعوه لصالحهم بموافقة الحكومات المتعاقبة وبمباركة المسؤولين المحليين واستثمروا العائدات في توسيع الضيعة ضمن الملك العام فضلا عن مشاريع اجتماعية وتربوية في المنطقة وفضلا عن رفع حجم العمالة بها من 7 عمال إلى 133 عاملا قارا مضمونين اجتماعيا. وأثناء بيع منتوج هذه السنة فجرت الحكومة الجديدة مشكل جمنة إذا رفضت أن يبيع الأهالي المحصول لصالح الجمعية الأهلية التي انشؤوها للغرض والتي أشرفت على التصرف منذ 2011. والمعركة الآن على أشدها بين الجمعية وأنصارها القائلين بهيبة الشعب وبين الحكومة والمنافحين عن هيبة الدولة. لقد تم بيع الصابة وجمعها في حركة عمل تطوعي غير مسبوقة وهي الآن في السوق. ويتواصل التطوع لشراء التمور من طرف نشطاء يحجون إلى جمنة تضامنا وإيمانا بأن جمنة وجمعيتها على صواب كامل.

جمنة مشروع تأسيس

بقطع النظر عن المعركة التي قد تهم التونسيين أو لا فإن جمنة طرحت إشكاليات كثيرة منها القانوني ومنها الاقتصادي وكثير منها سياسي عميق. هذه الإشكاليات قابلة للتصدير عربيا في ظل فشل الدول في تنمية شعوبها.

المقارنة بين نتائج تصرف الأهالي في الضيعة وتصرف النظام قبل الثورة أربك الحكومة. الأرقام فاضحة لسوء التصرف. هنا كان السؤال الأول إذا كان الأهالي يفلحون فلماذا لا تعمم تجربتهم على بقية الضيعات في مناطق أخرى. لقد انفجرت المطالبات في مناطق مختلفة يسكن أهاليها بجانب ضيعات مهملة أو ممنوحة لمتنفذين.

السؤال تحول إلى بحث في نمط التصرف وفي مشروعيته. عاد إلى السطح الباب السابع من الدستور عن الحكم المحلي ومؤسساته الإدارية والاقتصادية. ويوشك أن يربك خطة النظام القائم في تأجيل الانتخابات والتهرب من تفعيل الباب السابع. جمنة عقلنت الأسئلة الحائرة وحولت الأماني إلى كراسات مطلبية غير ظرفية. الأهالي يريدون المشاركة الفعالة وتحويل الأرصدة العقارية (الفلاحية) إلى استثمار محلي لا ينقص من حقوق الدولة لكنه يزيد في حقوق المواطنين. السؤال الظرفي لحالة جمنة تحول إلى سؤال تأسيس لنمط اقتصاد تشاركي محدث لم يعرف له التونسيون مثيلا. وهنا ارتبك الطاقم السياسي الحزبي الحاكم والمعارض. وتبينت الصورة أكثر.

الخائفون من جمنة

كل مكونات النظام القديم الساكنة في عروق النظام كشفت رعبها الأسود من حالة جمنة. لقد رأوا فيه وهم على صواب تقويضا لنمط إدارة تعودوه وغنموا منه وزاد في إرباكهم أن تكون جمنة بديلا حقيقيا لصناعة الثروة من الداخل ومن أسفل السلم الاجتماعي الذي يمسكون درجته العليا. بما يعني أن يهتز بهم أو يقطع تحتهم فيسقطون. إنهم في معارضتهم لجمنة وعوا بسرعة خطرها التأسيسي. ربما حتى قبل أنصارها الذين هزهم الحماس أكثر من الوعي بهذا العمق المؤسس لمنوال تنمية مختلف واستقلالي يضع الثروة بين يدي الناس فيثمِّرون ويستثمرون في الاجتماعي والتعليمي التحتي ويستغنون بالتدريج عن أعطيات المركز المهين على مقدرات البلد.

لقد رأوا في ما قامت به جمنة انقطاع أسبابهم في الهيمنة والتوظيف والاستزلام للمناطق الداخلية التي كانوا عودوها الانتظارية والتواكل؛ فلما رأوها تقوم بنفسها وتثبت كفاءتها أسقط في أيديهم فسلطوا عليها الأجهزة والإعلام لوئد تجربتها واستعادة هيمنهم. وكان من أساليبهم نعتها بالكمونة. والكمونة مرادفة للشيوعية بصورتها الكافرة.. ليخلقوا في أذهان الناس لبسا بين الاعتماد على الذات وبين تاريخ التجارب الاجتماعية التي وصمت ذات يوم بمعاداة الدين. لقد ظهر النظام تكفيريا قدام جمنة وما التكفير إلا بعض وسائله. فالتهديد والوعيد لا ينقطع منذ أسابيع.

المرتبكون أمام جمنة

لقد خلق حضور حمة الهمامي زعيم الجبهة الشعبية في جمنة ذريعة لاستدعاء  التخويف بالكمونة. فحمة ديمقراطي إذا ساند النظام لكنه يعود شيوعيا (كافرا) إذا خالفه في أمر. وأعتقد أن الخوف من الإقصاء بمثل هذه النعوت هو الذي جعل حزب النهضة مرتبكا أمام حالة جمنة. فمن ناحية يشارك منتسبوه في إدارة الضيعة (أمين المال) ويمضي نوابه بالبرلمان على محضر بيع الغلة (إمضاء رمزيا) لكن من ناحية أخرى تكتب دوائر المتعاطفين معه موقفا ساخرا من المشروع كله كأن هناك اتفاق أو أمر بتهميش الموضوع رغم ما كتبه قيادي بالصف الأول من أن جمنة كشفت تخلف الترسانة القانونية وعجزها عن توقع التطور الاجتماعي والاقتصادي.

لقد كتبت أقلام نهضوية مرافعات عن هيبة الدولة المنهارة في جمنة أسوأ بكثير مما كتبت أقلام الحزب الحاكم فعلا (النداء) حتى ظهر النهضويون ملكيين أكثر من الملك. التنصل من تبني منوال جمنة بصوت صريح وعال كشف أن الحزب لا يملك ولا يبدو أنه يريد أن يملك منوالا تنمويا غير ما هو سائد من مناويل الاستلحاق الاقتصادي. وكأن الاتفاق السياسي الذي يوجد بمقتضاه داخل السلطة يشترط أن يلغي كل اختلاف في التصورات القيادية. هذا الانضباط العسكري للتوافق غير المقبول شعبيا وسع الفجوة بين النهضة وفئات شعبية رأت في جمنة خلاصا لها وأملا في أن تضع أيديها بشكل قانوني على الثروات وتتصرف فيها مناطقيا وتمهد بها لحكم محلي مؤسس بدستور مجمع عليه.

جمنة أمل مؤسس

نعبر عنه مجازا باستقلال النخلة. إنها ضربة قاصمة لظهر الفساد وآلياته المركزية وقطع دابر الرشوة السياسية حاضنة الفاسد الكبرى. إنها إشارة واضحة لمواقع الثروة الوطنية وسبل إدارتها .إنها عنوان استرداد الناس لقرارهم على مناطقهم الذي سلب منهم باسم الوحدة الوطنية وباسم هيبة الدولة وشعارات أخرى كشفت جمنة زيفها وعرتها. ودعت بهدوء  وسلمية إلى بناء البدائل الاجتماعية. التي تضمن التحرر الفعلي من التبعية لصناديق النقد الدولي ولوبيات الفساد المالي في الخارج ولوكلائهم في الداخل.

من هذه الزاوية فإن جمنة مؤسسة وداعية تأسيس لمنوال اقتصادي يكون المواطن العامل حجر رحاه ووسيلته قطعا مع الانتظارية والتواكل الذي يتغذي من الأعطيات العمومية.

ولكن جمنة تأبى إلا أن تزيد فوق قطعة الحلوى حبة كرز باهرة. وهو درس آخر مخيف لمن عاش من فرقة التونسيين وصراعهم الهووي. جمعية رعاية واحة جمنة جمعت وبحكمة كبيرة كل ألوان الطيف السياسي من اليسار والإسلاميين والقوميين اجتمعوا فاتفقوا فعملوا معا فنسوا اختلافاتهم فنجحوا. ماذا لو اتفق المختلفون أيديولوجيا على تأجيل الاختلافات غير المفيدة وشغلوا أنفسهم بمشاريع مماثلة لجمنة؟ ماذا سيبقي بيد المنظومة القديمة لتزرع به الفرقة والشقاق؟ إنها آخر ورقاتها. وقد أحرقتها جمنة. لقد أعلنت استقلال النخلة (منوال الفسيلة) عن حزب النخلة (النداء) (منوال الاستلحاق).
1
التعليقات (1)
بن قويدر
الثلاثاء، 18-10-2016 08:14 م
ان تجربة جمنه منعرج محوري في تاريخ الثوره التونسية فهي تجربه فريده وستكون النموذج الاكثر موضوعية وواقعية بين النظريات المعاصرة في زمانها فهي الأكثر ربحا حفاظا على المال العام وأكثر مردودية على البسطاء والعمال الصغار.