قضايا وآراء

إخوان البنا وإخوان غولن.. هناك فرق

قطب العربي
1300x600
1300x600
عقب فشل المحاولة الإنقلابية في تركيا، والتي بدا أن جماعة الخدمة لمؤسسها ورئيسها فتح الله غولن ضالعة فيها، وما تبع ذلك من تصدي السلطات التركية بقوة للجماعة التي كادت أن توقف المسيرة الديمقراطية وتعيد حكم العسكر للبلاد، تسابقت الأذرع الإعلامية للسلطة الإنقلابية الحاكمة في مصر لتشبيه حركة غولن في تركيا بالإخوان المسلمين في مصر، وزعمت أن ما يقوم به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد جماعة غولن هو نفس ما قام به السيسي ضد الإخوان في مصر، باعتبار أن جماعة غولن هي المعادل الموضوعي للإخوان من حيث الفكر والتطبيق والممارسات العملية، ودللوا على ذلك بامتلاك جماعة غولن مدارس ومستشفيات ومراكز خدمية وشركات تجارية، ووسائل إعلام كما هو شأن الإخوان في مصر، كما أن الجماعة تحرص على التغلغل في دواليب السلطة، ولديها امتداداتها خارج وطنها مثل الإخوان.

من الطبيعي أن الجماعات أو الكيانات ذات الطابع العقدي تتشابه في بعض الأوجه، مثل قيامها على فكرة أساسية، تسعى لتطبيقها والتبشير بها، ووجود بناء تنظيمي يحمل هذه الفكرة، ومنابر إعلامية تسوق لها، لكن هذا لا يعني أن الجماعات تتماثل أو تتشابه بشكل كامل، فالخلاف بينها يبدأ من طبيعة الفكرة أو الرؤية التي تحملها وتسعى لتحقيقها، وهنا يبدو الفارق الجوهري الكبير بين جماعة الإخوان المسلمين وجماعة فتح الله غولن، فالأولى تحمل مشروعا إسلاميا واضحا يستهدف بناء الفرد المسلم ثم الأسرة المسلمة ثم المجتمع المسلم والدولة المسلمة، وصولا إلى الوحدة الإسلامية العالمية، بينما تتبنى الثانية مشروعا إصلاحيا روحيا تربويا تعليميا ينتسب إلى الصوفية الحركية، ولا يستهدف تحكيما للشريعة، فزعيمها فتح الله غولن لا يرى الإسلام أيديولوجية سياسية أو نظاما شاملا للحكم، على عكس الإمام حسن البنا الذي طرح رؤية شمولية للإسلام (أي بمعنى اشتمالها على كل مناحي الحياة).

وقال في رسالة المؤتمر الخامس: "نحن نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة، وأن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون في هذا الظن، فالإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف". كما أن حركة غولن لا تهتم بقضية وحدة العالم الإسلامي، كما هو الحال بالنسبة للإخوان الذين وضعوا هذه القضية على رأس سلم أولوياتهم. بل على العكس تماما، ترى حركة غولن تميزا عرقيا خاصا للشعب التركي يميزه عن سائر الشعوب. وبدلا من الاتجاه شرقا، فهي تسعى للتنسيق وحتى الاندماج مع الغرب، وقد سعت لذلك من خلال مشروعها لحوار الأديان، ودعمت مدارس تبشيرية، كما تجنبت دوما انتقاد إسرائيل، بل إنها انتقدت حكومة بلادها التي سمحت بإرسال معونات لمحاصري غزة عبر سفينة مافي مرمرة التي اعترضتها البحرية الإسرائيلية وقتلت 9 أتراك على متنها.

وبما أن حركة غولن لا تطرح برنامجا سياسيا كالإخوان، فهي تستعيض عن ذلك بفكرة التحالف مع الأحزاب السياسية العلمانية القائمة، وتمنحها أصوات مؤيديها، مقابل الحصول على امتيازات مادية للحركة والسماح لمنتسبيها بتبوؤ مواقع عليا، خاصة في الجيش والشرطة وبقية الأجهزة الأمنية، وهذا ما يختلف مع موقف الإخوان أيضا من الالتحاق بالكليات العسكرية، إذ أن جماعة الإخوان لم تشجع أبناءها على دخول تلك الكليات حتى تقضي على أي ظنون بسعيها لعمل عسكري ضد النظام، وعلى العكس من ذلك اهتمت جماعة الإخوان بدفع أبنائها للتفوق الدراسي للالتحاق بالكليات العلمية، وخاصة الطب والهندسة، على ما في ذلك من نقد أيضا (ليس هذا مجاله).

وهنا يُطرح السؤال نفسه: لماذا تهتم حركة غولن بالتغلغل في المؤسسات العسكرية والأمنية، طالما أنها ليس لديها مشروع للحكم، ولا تعمل على الوصول للسلطة حسبما يعلن قادتها؟! من ناحيتي لا أجد إشافة شافية للسؤال سوى أن يكون للجماعة أجندة غير معلنة للهيمنة على مفاصل الدولة، فتحكم عبر أذرعها المنتشرة في كل مكان، وفي الوقت نفسه لا تتحمل نتائج أي فشل إداري أو سياسي؛ لأنها لم تتقدم رسميا لانتخابات نيابية أو رئاسية، وهو ما يختلف أيضا مع طريقة الإخوان الذين قدموا مرشحين للبرلمان والمحليات بشكل معلن قبل ثورة يناير، كما أسسوا حزبا سياسيا (الحرية والعدالة) خاض المنافسة النيابية والرئاسية بشكل معلن وتحمل تبعات مشاركته.

وإذا كانت جماعة الإخوان قد عانت الأمرين من الإنقلابات العسكرية والحكم العسكري الممتد منذ إنقلاب يوليو 1952 وحتى إنقلاب يوليو 2013، ودفعت ثمنا باهظا في مواجهتها مع حكم العسكر، فإن جماعة غولن كانت داعمة للإنقلابات التي وقعت في تركيا منذ مطلع الثمانينات وخاصة لإنقلاب كنعان إيفرين 1980، وما تلاه من إنقلابات، بل إنها تمددت كثيرا في ظل حكم العسكر الذي اعتبرها بديلا موثوقا لمنافسيه من الإسلاميين الديمقراطيين، ووقفت كحجر عثرة أمام الأحزاب الإسلامية المتتالية في تركيا.

ليس من الإنصاف النظر إلى حركة الخدمة باعتبارها شرا محضا، ولكن هدف المقال هو تبيان الفارق بينها وبين جماعة الإخوان، قطعا للطريق على من يسوون بين الجماعتين في كل شيء، وبالتالي يبررون قمع الإنقلاب للإخوان في مصر باعتباره مشابها لما تتخذه السلطات التركية ضد جماعة الخدمة، متجاهلين أن الإخوان في مصر - ومع اختلافهم الذي شرحناه عن جماعة غولن - كانوا ضحية لإنقلاب عسكري على السلطة المدنية التي وصلوا إليها عبر مسار صناديق الانتخاب، بينما جماعة غولن هي من دبرت إنقلابا عسكريا للوصول إلى السلطة عبر صناديق الذخيرة، وما يحدث معها هو ما كان سيحدث مع أي حركة أو جماعة غيرها تنقلب على الإرادة الشعبية حتى لو كانت جماعة الإخوان، وساعتها ستكون تلك الإجراءات أيضا مبررة.
التعليقات (1)
خالد أحمد
الإثنين، 08-08-2016 12:10 ص
مع توفيق الكاتب في تفريقه بين الجماعتين إلا أنه حمل على جماعة كولن من ناحيتين: الأولى: اتهامه إياهم بأنهم من يقف وراء الانقلاب الفاشل رغم أن التحقيقات لم تتوصل إلى شيء ذي بال، فأقصى ما توصلت إليه أن بعض كبار المشاركين في الانقلاب ينتمون إلى الجماعة. وما جريرة الجماعة نفسها؟ وهل يحكم على جماعة بهذا الحجم من خلال تصرفات بعض المنتمين إليها؟ الثانية: أنه غض الطرف تماما عن مشاريعهم التربوية التي يحافظون بها على منظومة التعليم في عالمنا الإسلامي، وركز على تغلغلهم في مؤسسات الدولة سعيا للحكم. يبقى سؤال: ما العيب في تغلغلهم في مؤسسات الدولة مادام كل ذلك يتم بالوسائل الشريفة، أعني إعداد الكوادر ودعم تلاميذهم والبحث لهم عن وظائف لائقة طبقا للقانون؟ ترى لو كان للإخوان تغلغل على هذا النحو أكان حالهم وحال مصر يهبط إلى الحد الذي رأينا؟ وسؤال آخر : ما العيب في سعيهم للحكم مباشرة أو عبر دعم أحزاب سياسية مادام ذلك يتم عبر الوسائل المشروعة ومادام الحكم الذي يريدون عادلا. إن كلامي لا يخص عهد حزب العدالة والتنمية.