كتب

عبد السلام شقور.. مغربي فقيه في تخصّصه وتلامذتُه يقومون به وبميراثه

"المدرسية" في التأليف تعني ـ أوّلا ـ أنّ المؤلّف مُعلّم "مْعَلّْم"، بإمكانه أن يلوك لتلامذته اللّقمة، ولكنّه يفضّل أن يُعلّمهم السّؤال.
"المدرسية" في التأليف تعني ـ أوّلا ـ أنّ المؤلّف مُعلّم "مْعَلّْم"، بإمكانه أن يلوك لتلامذته اللّقمة، ولكنّه يفضّل أن يُعلّمهم السّؤال.
(1)

أنا في علاقة ودّ كبيرة مع كلّ ما يمتّ بصلةٍ إلى كتاب "حفريات ومراجعات في التراث المغربي"، الذي صدر في المغرب بداية هذا الأسبوع؛ صاحبِه، وموضوعِه، ومَن أعدّه، ودارِ نشره، فلا أملك مع كلّ هذا الودّ سوى أن ألهجَ بمدحيةٍ طويلة في جميع الاتجاهات. ومهما حاولتُ أن أخفيَ ذلك بتوشياتٍ نقدية لأُظْهِرَ بعض الموضوعية فلا جدوى، لأنّها نبعت من قلب محبّ، مما منح هذه المدحية دفئا إضافيا في نفسي.

أمّا أستاذُنا السي عبد السلام شقور فهو خارجَ كلّ هذه الحيثيات؛ فقد كتبتُ هذه المقالة لأسمعه أمرا واحدا هو الذي نريده أن يمتلئَ به ويصحبَه معه ما بقي له من العمر؛ أنّه محبوبٌ ومُقدّر، وأنّ زرعَه قد أينع، وأنّه ترك ميراثا غنيّا سيُصيّرُه الله تعالى بمنزلةِ الصَّدقةِ الجارية، وأنّه خلّفَ أبناءَ صالحين. وها نحن اليوم نشهد جميعا ـ أستاذَنا ـ أنك فقيهٌ في تخصّصك، وأن تلامذتَك قاموا بك وبميراثك وما ضيّعوك، وهو الأمر الذي يخافه كلّ صاحب ميراث، خاصة إذا كان معنويا من جنس العلم والمعرفة.

 (2)

أبدأ بالأستاذة فريدة طابش ـ وهي من أعدّت الكتابَ رفقة زوجها الصديق الأستاذ عبد السلام المنصوري ـ فقد تعرّفتُ عليها ونحن زملاء في القسم أيام التلمذة في ثانوية علال الفاسي ببني مكادة، وكان الجميعُ ـ أساتذةٌ وتلامذةٌ ـ يشهد لها بالجدّ والأدب، ومُنْذَئِذٍ بدَتْ عليها سيماء الصّرامة في المبدأ والموقف، وستقطع سنواتِ الجامعةِ مصحوبةً بمنسوبٍ أعلى من هذه الصرامة.

وستجتمع هذه الثلاثية، أقصد الجدّ والأدبَ والصرامة، في إنتاجها العلمي، رغم قلّته، فعملُها الأوّل الذي صدر منذ شهور، والموسوم بـ"التراث المغيّب في التصوّف المغربي: شخصية الشّيخ رضوان الجِنْوي أنموذجا" خيرُ شاهد على هذا الذي نقوله؛ فالقارئُ للكتاب سيندهش بحق، ولا أبالغ، لأنه سيجد نفسَه أمام متن يصعبُ أن يصدّقَ بأنّه الأولُ للباحثة؛ لأنه ظهر وهو شبه كامل، خاصة على المستوى المنهجي، ناهيك عن اللغة والأسلوب. ولن يطويَه القارئُ إلا وقد امتلأ حبّا لشخصيةٍ مغربية علمية تربوية لم تأخذ حقّها من التّداول والتّعريف، رغم تنوّع مشاربِها وغناها، وكثرةِ امتداداتِها؛ أقصدُ الشيخ رضوان الجنوي.

لقد أبدعَتِ المؤلّفة في الجَمْع والعرض والتفسير والافتراض، وكتابُها هذا يستحق أن يُحتفى به في أمسية علمية شبيهة بهذه، خاصة وهي امرأة، ومُقلّة، ولا تُحبّ الشّهرة والأضواء.

ومأخذي الوحيد عليها؛ حين تصفّحتُ كتاب "حفريات ومراجعات في التراث المغربي"، أنّها "فرّطت" في أمر مهمّ جدا؛ فالكتاب يبدأ بتقديم تحت عنوان "سيرة كتاب"، وقد جاء في خمسَ عشْرةَ صفحة، بتوقيع الأستاذ عبد السلام المنصوري، يحكي فيه عن علاقته بأستاذه، وأستاذنا، السي عبد السلام شقور، وكيف دخل على "الدراسات المغربية"، وخاصة المدوّنة الصوفية، ومتى، وكيف سقطت عليه فكرة هذا الكتاب، والمسالك التي قطعها حتى استوى بين أيدينا اليوم ناضجا.

في هذا التقديم نسمع صوت الأستاذ المنصوري، ونحسّ بمشاعرِه، ونطّلع على مغامرته، وهذا ما فرّطت فيه الأستاذة فريدة. خاصة وهي ابنة الدّار: موضوعا ومنهجا وانتسابا للمعلّم والموجّه السي شقور، وهي الأم والموظفة، فكان عليها أن تروي لنا أيضا سيرتها الخاصة مع أستاذها ومع الكتاب، ومن المؤكّد أنّ رواية هذه السيرة، بتاء التأنيث، كان سيكون لها طعمٌ مختلف، لأنّها ستنظر من زاوية تغيب في العادة عن الرّجال. ولم يكن ليَضُرّ الكتابَ أن يزداد حجمُه بعد ذلك عشْرَ صفحاتٍ أخرى، ولم يكن النّاشر ليزيد في ثمنه لهذا السبب!

ننتظر بشوق ـ أستاذة فريدة ـ ظهورَ تحقيقك لكتاب أحمد بن موسى المُرابي الموسوم بـ"تحفة الإخوان ومواهب الامتنان في مناقب سيدي رضوان"، فما نعرفه عن هذا المخطوط، من خلال النصوص التي أوردتِها في كتابك ـ أنّه بحق فريد في بابه.

 (3)

وأما الأستاذ عبد السلام المنصوري، فهو صديق منذ أيام آخر الطفولة، أعرفه مُدافعا صلبا، في كرة القدم كما في عالم الأفكار، ونادرا جدّا ما يُضيع مقصده فيهما مهما كان، وهو من المدافعين الذين يتجاوزون بسهولة خط الوسط ويقتحمون نحو الهجوم لتسجيل الأهداف؛ الفرق أنّه في كرة القدم يلعب بطريقة "حسبيّة" ـ كما نقول في لغتنا الدّارجة ـ ولكنه معرفيا فنّانٌ حقيقي كما يشهد بذلك كلّ قُرّائه. ومُآخذتي الوحيدة عليه ـ ونحن ندحرج الكرة ـ أنه كان ينسى ـ في بعض الأحيان ـ وهو في غمار هجومه، أن يُحصّن مرماه من أي هجوم ارتدادي. هل يحصل له هذا وهو يفكرّ ويكتب؟ أشهدُ أنه تجاوز ذلك أثناء مغامرته الفكرية، وهو اليوم قد اكتسب نسقَ تفكير أو يكاد.

عندما يقرر الأستاذ المنصوري الاشتغال بفكرة أو موضوع، أدبيا كان أو فلسفيا أو اجتماعيا أو تاريخيا أو غير ذلك ـ فهو باحث عابر للتّخصصات ـ فإنّه يتفرّغ له وينشغل به ويحشر له كلّ الموارد ماديةً ومعنوية، ويكفي في هذا الصّدد أن أكشف أحد أسراره، إذ أنه يمتلك مكتبة شخصية خاصة تجمع كُتبا بكل موضوع ألّف فيه ولو مقالة، فهو ليس من أصحاب (P.D.F) إلا فيما نذر.

سأطيل كثيرا إذا أردت أن أقف على كلّ ما يميّز المسار العلمي لصديقنا المنصوري وتكوينه وتحوّلاته ومصادره ومشاركاته وإنتاجاته، والحاصل أنّه ليس هو المقصود الأول بالاحتفاء اليوم، وإن كان في عينه، ولا شكّ أنه سيأتي عليه يوم يكون كذلك. ولكنّني أجدني شبه منجرّ لحديث قصير جدّا عن أحد إنتاجاته، هو ليس كتابا، بل مقالة، تقع في ثلاثين صفحة، نشرها في العدد 99 من مجلة "المناهل" العريقة، والذي صدر شهر يونيو من عام 2020م، تحت عنوان:"مسالك البحث في تاريخ المغرب: من نقد الاتجاهات إلى نقد الحصائل"، وفيها أجاد إلى حدّ كبير: منهجا ومضمونا، بشكل جعل أكاديميين في التاريخ يُعجبون بهذا القادم من تخصص الآداب وقد أبدع في عرض مسالك البحث في تاريخ المغرب، وتفنّن في نقد اتجاهاته وحصائله.

في ذلك التقديم الذي سبق وأن أشرنا إليه، والذي سمّاه "سيرة الكتاب" يطلّ صديقنا المنصوري على قُرّائه بوجه لا يعرفه سوى قلّة من المقرّبين منه، لأنّه لم يُتح له لحدّ الآن أن يُعبّر عنه في كلّ ما سبق وأن كتبه، أقصد وجه التلميذ، بل المريد، الذي يجثو بين يدي أستاذه وشيخه. وقد كان موفّقا في إطلالته هاته، مؤدّبا، مُحبّا، كما يليق بـ"فقير" يفترش الحصير في زاوية بين يدي شيخه، إذا استدعينا ألفاظا من معجم الكثير من مقالات كتابنا الذي نحتفي به اليوم.

وإنّه لانسجام أفهمه جيّدا وأتذوّقه؛ انسجامٌ بين عقلانية صارمة في تفسيراتها وأحكامها ونقدياتها، وبين عاطفة روحية جيّاشة، هشّة مُحلّقة.

بقي له فقط أن يعيد تقييم علاقته مع أحد أهم الأركان التي يقوم عليها التّصوف حتى يغدو صوفيا محترقا؛ أن يؤمن بالكرامات ويعتقد فيها، وحينها يمكن أن نُسلك اسمه بسهولة ضمن متن منقبيّ يترجم لرجالات "الزاوية الشّقورية" ! بعد أن يعتذر  صاحبنا ـ طبعا ـ ويسحب كتابه "بنية الخطاب المنقبي" من الأسواق، والذي وسم فيه أغلب ما يصدر عن المتصوّفة خطابا وسلوكا، بطلاق العقل وأوهام التّاريخ!!

ولماذا ننكر على صديقنا هذا المسعى وقد كان أحد أشهر علامات مدينتنا يتّسم بهذا الميسم، وأقصد الشيخ السيد أحمد بن الصديق، الذي كان صارما في عقلانيته حين يتجلّى بوجه المحدّث، ولكنّه ينقلب إلى شبيه بدرويش وهو يُسفر عن وجهه الصّوفي، ومقارنة بسيطة بين كتابيه "ليس كذلك في الاستدراك على الحفاظ" و"التّصوّر والتّصديق"، وهما من كتبه الخفيفة، يتبيّن حجم "المفارقة المنسجمة" ـ إن صحّ التعبير ـ بين صفة العقلاني وصفة تضادّها نَسِمُها ـ تجاوزا ـ بغير العقلاني تأدّبا مع سيدي أحمد رحمه الله.

لا أشكّ أبدا بأن الكتاب المحتفى به اليوم سيجد طريقه بسهولة ليتسيّد ضمن لائحة مراجع الدّراسات المغربية للأساتذة والطلبة على حدّ سواء، خاصة وقد استطاعت مقالاته أن تزاوج بشكل مريح سهل بين أمرين اثنين لا يستطيعهما سوى قلّة من الباحثين؛ أقصد العمق والمدرسية. أمّا العمق فأريدُ به هنا الأصالة في الطرّح، خاصة على مستوى المنهج، وقد عمل الأستاذان المنصوري وطابيش في الدّراسة التي وضعاها بين يدي الكتاب، في أربعين صفحة، على إثبات ذلك بأمثلة كثيرة وافية.
مما يروقني في الصديق المنصوري؛ أنّه حين يهتمّ بقضيّة يمنحها ما تستحقّه من اهتمام؛ وقتا، واقتناء للمراجع والمصادر، وصحبة لأهلها، وتنويعا للمداخل إليها، والكتابة فيها. إنّه يحترم نفسه، ويقدّر قارئه.

وأخيرا، لا يُطاوعني الانتقال عن صديقي المنصوري دون أن أشير إلى أنّه "مثقّف عضوي" بمعناه السياسي وليس الإيديولوجي، فصفحته الفايسبوكية معبّرة بشكل واضح لا لبس فيه عن هذا الاختيار النضالي الذي يُعافس الواقع ويتمرّغ فيه دون خوف من أدرانه، ففي الوقت الذي اختار فيه العديد من المثقّفين والمفكّرين عار السكوت أمام المقتلة التي تحدث اليوم في غزّة، نجد صفحته تشتعل تعاطفا ونقدا واحتجاجا.

(4)

 ذات مولد نبوي شريف، وأنا تلميذ في بداية الثانوي، قرأتُ فصولا من كتاب"الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عيّاض، حينها وقفتُ بتبجيل واحترام كبيرين أمام هذا العلَم الذي ينبع منه وعنه كلّ هذا الحب للجناب الشريف، لم أكن حينها أعرف عنه سوى اسمِه. وما فتئتُ بعد شهور من ذلك أن اطّلعتُ على كتاب يسمى "القاضي عيّاض الأديب"، والذي لم أكن أعرف عن صاحبه شيئا. اقتنيته حُبّا للقاضي عيّاض، ولكنّني حين قرأتُ منه أوراقا أحببتُ صاحبه، فقد اكتشفت فيه عاشقا ومُحبّا كبيرا للقاضي، ولم يكن هذا الكاتب سوى السي عبد السلام شقور.

فأستاذنا شقور مقتنع أن عياضا ـ كما يُصرّح في كتابه السالف الذّكر ـ "كان محدّثا، وفقيها، ومؤرّخا، وأديبا (...) وأنّه لم يكن حدثا عابرا في حياة المغرب، بل كان له في عصره وزن كبير، كما كان له على مرّ الأجيال تأثير خطير".

وحين وصلتُ الجامعة، ولسنوات، كنتُ ألتقي بالأستاذ شقور في ممرّات الكلية، وأحضر له بعض الدّروس والمناقشات؛ كان يتجلّى على نمط واحد من الهدوء في كلّ شيء، هدوء بسيط ومهيب. لم يكن تخصّصه الأكاديمي العام يُغريني يومئذ، أقصد الدّراسات المغربية، أو الأدب المغربي بمعناه العام، باستثناء عالم التراجم والمناقب والسّير، إلى أن أدخلني إلى هذه الدّراسات الأستاذ عبد الله الترغي، رحمه الله تعالى، يوم اشتغل معنا في حصص على شخصية الحسن اليوسي، خاصة من خلال كتابه "المحاضرات".

لم تُتح لي الفرصة لأكون قريبا من السي عبد السلام شقور، كما هو حال صديقي الأستاذ المنصوري، ولكنّني كنت دائما متابعا لأخباره وإنتاجاته عن طريق الكثير من تلامذته ومحبّيه.

وبالعودة إلى كتابه حول القاضي عيّاض، ومن خلال الوقوف عند كلمة الشّكر التي أثبتها في أوّله نعرف كيف استطاع أن يمتلأ السي عبد السلام معرفة وعلما ومنهجا؛ فهو تلميذ لأكابر في تخصصهم، خاصّة المُحمّدون الأربعة: بنشريفة، وبنشقرون، والمنوني، وابن تاويت التطواني، رحم الله الجميع. فالأخير هو من أشرف على دبلومه للدراسات العليا، والأول هو من أشرف على أطروحته للدكتوراه، بينما الفقيه المنوني كان من جملة من أخذ بيده في طريق البحث الطويل والشاق. وأظن السي عبد السلام أقرب ما يكون؛ روحا ومزاجا، إلى المُحمّد الخامس؛ ابن تاويت الآخر، الطنجي، وهو كثير الحفاوة به كما بيّن مُعدّا الدّراسة، خاصة حين وقفا عند حديث السي شقور في إحدى مقالاته عن المقدمة الأصيلة التي وضعها ابن تاويت لـ"ترتيب المدارك".

من كلمة الشّكر القصيرة هذه ندرك أنّ الشخصية العلمية لأستاذنا شقور تضافر عنصران اثنان أساسيان على صناعتها؛ الشيوخ والكتب. فهو بذلك ليس بالكُتبيّ الورقيّ المنبثّ، فشيوخه ممن يفتخر بهم قطعا.

(5)

لا أشكّ أبدا بأن الكتاب المحتفى به اليوم سيجد طريقه بسهولة ليتسيّد ضمن لائحة مراجع الدّراسات المغربية للأساتذة والطلبة على حدّ سواء، خاصة وقد استطاعت مقالاته أن تزاوج بشكل مريح سهل بين أمرين اثنين لا يستطيعهما سوى قلّة من الباحثين؛ أقصد العمق والمدرسية. أمّا العمق فأريدُ به هنا الأصالة في الطرّح، خاصة على مستوى المنهج، وقد عمل الأستاذان المنصوري وطابيش في الدّراسة التي وضعاها بين يدي الكتاب، في أربعين صفحة، على إثبات ذلك بأمثلة كثيرة وافية.

وأمّا المدرسية ـ التي كثيرا ما يتمّ الانتقاص من شأنها في السياق الأكاديمي ـ فإنّني على العكس من ذلك أعلي من شأنها وأرفع من قيمتها؛ فالتأليف المُتّسم بهذه الخصيصة لا يستطيعه سوى العالم أو المفكّر المُتمكّن من مادّته تمكّنا شديدا؛ إذ يعرف مداخلَه ومخارجَه، عقباتِه ومنحدراتِه، عُقدَه ومنعرجاتِه. ونتذكّر جميعا في هذا السياق ذلك التّأليف الفلسفي البديع الذي وضعه الجابري ـ رحمه الله ـ لتلامذة الثانوي، والذي مرّت عليه سنوات بعد ذلك لتطبعه دار نشر محترمة باعتباره تأليفا أصيلا، ومن منّا لا يعود في كلّ مرة ـ طوعا أو كرها ـ لكتب مصطفى عبد الرازق، خاصة تمهيده لتاريخ الفلسفة الإسلامية، رغم أنه لم يكن، في أصله، سوى محاضرات بين يدي طلبته.

كما أنّ أستاذنا شقور نفسَه سبق له، عام 1982م، أن أعدّ كتابا مدرسيا تحت عنوان "دراسات حديثة في آداب الباكلوريا المغربية".

"المدرسية" في التأليف تعني ـ أوّلا ـ أنّ المؤلّف مُعلّم "مْعَلّْم"، بإمكانه أن يلوك لتلامذته اللّقمة، ولكنّه يفضّل أن يُعلّمهم السّؤال. وتعني ـ ثانيا ـ أنّه مربّ يعزّ عليه، بعد ذلك، أن يرى غيره يتيه في المسالك، فيقف رافعا صوته بالنّداء: من هنا الطّريق، ويُشير إلى بُعد يعلمُ غناه دون أن يكون بالضّرورة قد بلغه.

أما على مستوى المواضيع والقضايا التي احتضنها الكتاب، فقد توزّعت على سبعة فصول: الثقافة المغربية: أسئلة الهوية والوحدة والخصوصية، في تحقيق النصوص والتعريف بالكتب، التاريخ المغربي: ظواهر وقضايا وإشكالات، تاريخ البيوتات بالمغرب والأندلس، الشعر والنقد في مغرب العصر الوسيط، في التصوف المغربي: قضايا وأعلام.

(6)

ويجدر بي ألا أختم موضوعي هذا دون الإشارة إلى قضيّة أساسية ترتبط بالأبحاث والدّراسات المجموعة في هذا المتن؛ وهي المتعلّقة بأسلوب أستاذنا شقور، وكذا علاقته بالقضايا التي كتب فيها، وهي نفس المسألة التي ختم بها مُعدّا الكتاب المدخل العام قبل أن يسلّما الكلمة لأستاذيهما.

استدعى الباحثان سلطتين علميتين معاصرتين من مشربين مختلفين، الأولى مصدرها التّأويلي الألماني شلاير ماخر، والثاني منبعها البلاغي الكبير والذّواقة الرفيع محمد أبو موسى، ليستنتجا بأنّ أسلوب أستاذنا شقور هو من جملة الذين كان "أسلوبهم ينطوي على فكرهم، وكأنّ فكرهم لا يظهر جليّا واضحا مشرقا إلا ببيانهم الذي تفنّنوا في إبداعه، وجعلوه حاملا لفكرهم والمعبّر عن طريقتهم". ليخلصا في النّهاية إلى أنّ أسلوبه ذات نزعة ذاتية، "تحضر في أكثر بحوثه أكاديمية وتخصصا، فهو يقيم ضربا من العلاقة العاطفية بينه وبين موضوع بحثه"، مما "يجعله يجترح في كلّ بحث أسلوبا جديدا يلائم طبيعة البحث وموضوعه".

من أين جاءه هذا الاختيار؟

من القرآن الكريم أولا، فأستاذنا حفظ القرآن منذ صغره، وتمرّس بكتب التفسير خاصة تفسير الزّمخشري، ثمّ من الشعر العربي القديم، وكذا النّثر العربي، وخاصة الفنّيّ منه،  ومن كلّ هذه الأساليب، على اختلافها، تعلّم النّزعة الذّاتية، وتعلّم كيفية التّعبير عنها بخلفية أكاديمية ومنهجية وليس بمجرّد تأثر وانطباع. وهذا عين ما فعلته بدوري في ورقتي هذه؛ وهذه دعوة لإعادة العاطفة والذاتية والتأثّر في تفسير الظواهر الأدبية، ونداء لتحجيم غلواء النّظرية، التي جنى الهوس بها على الدّراسات الأدبية وأوصلتها إلى الباب المسدود.

(7)

كان القاضي عياض، رحمه الله تعالى ـ وهو محبوبُ أستاذِنا شقور بدون منازع ـ يُكثر من روايةِ عتابٍ لطيفٍ لأحد شيوخه، إذ كان يقول لتلامذتِه: "ما لكم تأخذون العلم عنّا، وتستفيدون منّا، ثمّ تذكروننا فلا تترحّمون علينا". وها نحن أستاذَنا، بعد أن أخذنا عنك، واستفدنا منك، نذكرك، وندعو لك ولشيوخك ولمن ربّاك وعلّمك، ولا ندري ـ بعد ذلك ـ من سيسبق بالمغادرة، ولكنّك ـ هنيئا لك ـ لا نحسبك إلا وقد "ضمنت" التّرحم عليك بعد صدور هذا المتن الجميل.
التعليقات (0)